بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 26 أبريل 2019

صدورتأليف جديد بعنوان: العذب المورود فى اختصار فتح الودود للدكتور أبايه محمد محمود

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد ولد عدنان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، ما تعاقب الملوان، ثم أما بعد، فاللسان العربي "قَدْ وَقَفَ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَهَمَّ قِبْلِيُّ مُزْنِهِ بِالْإِقْلَاعِ فما أجدره -وَهُوَ حَبِيبُ النَّفْسِ، وَعَشِيقُ الطَّبْعِ، وَسَمِيرُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ -بِأَنْ يُعْتَنَقَ ضَمًّا وَالْتِزَامًا، كَالْأَحِبَّةِ لَدَى التَّوْدِيعِ، وَيُكْرَمَ بِنَقْلِ الْخُطُوَاتِ عَلَى آثَارِهِ حَالَةَ التَّشْيِيعِ".
هذا اللسان -الذي أنزل الله به كتابه، وأرسل به خاتم رسله، فأبان به المحجة وأقام به الحجة- مِنْ أجَلِّ ما ينبغي لطالب العلم صرف الأوقات في تعلمه وتحصيله؛ فاللغة العربية هي مفتاح العلوم الإسلامية كلها، وهي خير مُعينٍ على فهم معاني القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهي الوسيلةُ إلى الوصول إلى أسرارهما، وفهم دقائقهما، وقد قال عمر رضي الله عنه" تفقهوا في السنةِ، وتفقهوا في العربية، وأَعْرِبُوا القرآنَ فإنه عربي" قال شيخ الإسلام: "لأنَّ الدِّينَ فيه فقهُ أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريقُ إلى فقه الأقوال، وفقه الشريعة هو الطريقُ إلى فقه الأعمال".
وقال أيضا: "إنَّ الله لما أنزل كتابَه باللسان العربي، وجعل رسولَه مبلغًا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السَّابقين إلى هذا الدين متكلِّمين به، ولم يكن سبيل إلى ضبط الدِّينِ ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، صارت معرفته من الدِّين، وأقرب إلى إقامةِ شعائر الدين..." .
ولا يَشْنَأُ هذه اللغة إلا من اهتاف به ريح الشقاء كما قال الفيروز أبادي، ومن طريف ما يذكر في هذا المقام قول أبي الريحان البيروني: "لأنْ أُشتم بالعربيةِ أحب إلي من أُن أمدحَ بالفارسية".
وأهل العلم يذكرون أن تعلم اللغة العربية من فروض الكفايات من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل فبعضها واجب عيني قال شيخ الإسلام:" فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهمِ اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجبٌ على الأعيان، ومنها ما هو واجبٌ على الكفاية" .
ومن أجل كتب اللغة العربية، كتاب تحفة المودود في المقصور والممدود لابن مالك. "فقد أجاد فيه وأفاد إذ أتى به على أسلوب لم يسبق إلى مثاله، ولم ينسج أحد بعده على منواله، فأتقن العبارة ودقق الإشارة، ومن الدليل على وسع باعه أن جاء بمنظومته هذه، فألف فيها بين ما ينبغي تأليفه من نوعي المقصور والممدود، ولما تصعب مسلكه وعز مطلبه ومدركه، قلت شروحه إذ توعر عليهم وضوحه" . وقد شرحه الشيخ سيد المختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي. شرحا بديعا تناول لغته وبلاغته وإعرابه، وأفاض في شرح معانيه وسبر أغوار مراميه، وحلَّاه بما فتح الله به عليه من اللطائف والمعارف. حتى صار كتاب لغة وأدب وأخلاق وتأريخ ومعارف شتى. فقد قال هو في مقدمته:" فحبرت كتابه بآي التنزيل تحبيرا، وطرزته بغرائب اللغات تنويرا، فجئت فيه بالمواعظ الهائلة، والغرر السائلة، والمذاهب المائلة عن الطريق الباطلة، وبحكايات الأمجاد، وروايات الأجواد، وبنفائس الأعراب ، وغرائب الإعراب، ونُبَذ من الآداب والأدباء، وقصص الأنبياء والأولياء، وكيفية بدء الخلق والانتهاء، والزجر عن الظلم والاعتداء، وما يجران إليه من البلاء والجلاء، ونكت من الترغيب والترهيب، مما يذيب أو يكاد ذهن اللبيب، ومن غرائب المسائل الفقهية، وبُصوص نصوص الدلائل العقلية مما يفوق ويروق، ويوجب على من سمعه ألا يقابله بالعقوق، ومن الحكم الطبية والنفحات الغيبية ما يشوق كل مشوق وإليه النفوس الزكية تتوق...إلخ.
وهمم أهل العصر تتقاصر عن تتبع ما طال كما قال الشيخ نفسه عن أهل عصره، فكيف بهمم أهل هذا العصر. والمطالع للشرح قد يطلب معنى مفردة، أو شرح جملة من النص فيقرأ صفحات وصفحات، ويطوف في رياض الآداب، وجنان القصص، ولطائف البيان، قبل أن يصل إلى مبتغاه، ولذا رغبت في اختصاره اختصارا غير مخل، يأتي منه بالمقصود، وأبقيت كلام الشيخ بحُلاه، وما حذفت منه إلا ما يمكن حذفه ولا يخل بمعناه، وسبكت الكلام ووصلته وصلا، حتى إن القارئ ليخال أنه لم يحذف منه حرف أصلا، وتركت من اللطائف ماله صلة مباشرة، أو غير مباشرة باللغة أو معنى النص المشروح. وخلاصة عملي فيه يمكن إجمالها في النقاط التالية:
1- اختصار الشرح بحذف ما لا صلة له بالمادة اللغوية من القصص والآثار والأشعار وغيرها، وقد أبقيت فوائد جمة لصلتها بمعنى الأبيات وإشاراتها.
2- تصحيح الأخطاء الواردة في النص، وقد اعتمدت النسخة المطبوعة المحققة للشيخ المأمون في عملي فجعلتها أصلا. وأشرت إلى عمله في الهامش، من شرح مفردة أو تخريج حديث أو غير ذلك بحرف.م. هكذا.
3- تخريج الآثار التي فات الشيخ المأمون رحمه الله تخريجها، وإعادة تخريج بعض ما كان قد خرجه، فقد تيسر من المراجع، وسهل من أمر البحث مالم يكن متاحا له رحمه الله.
4- نسبة الأبيات إلى قائليها. وتوجيه بعض معانيها كالبيت رقم:(13).
5- تشكيل الأبيات، والمفردات الغريبة، وبعض الجمل التي تحتاج إلى ذلك.
6- تمييز كلمات الأبيات المشروحة عن النص، وتمييز الآيات والآثار والأبيات أيضا.
7- إثبات الرواية التي اعتمدها الشيخ سيد المختار الكنتي رحمه الله للمقصور والممدود في شرحه، والإشارة لغيرها في الهامش عكس ما فعل الشيخ المأمون رحمه الله.
8- توجيه بعض المعاني، وذكر بعض اللطائف في الهامش.
9- شرح الأبيات التي وردت في بعض نسخ المقصور والممدود، ولم يتعرض لها الشيخ في شرحه وهي ثلاثة أبيات فقط: (البيت 59-60-93).
وقد أسميته: "العذب المورود في اختصار فتح الودود".

مثال من الهوامش :( ما ذهب إليه الشيخ هنا من تفسير الملا بالقصر بالغنى دعاه إليه ما ذكره فيما بعد من أن تفسير الملا بالأرض الواسعة لم يقف عليه قولا قويا ولكن ذكر ابن ولاد التميمي ت222هـ في كتابه المقصور والممدود باب الميم قال في ص115 :
والملا. مفتوح الأول المتّسع من الأرض مقصور يكتب بالألف. قال بشر بن أبي خازم:
عطفنا لهم عطف الضروس من الملا ... بشهباء لا يمشي الضراء رقيبُها
أي لا يختل ولكن يجاهر. وقال آخر:
ألا غنّياني وارفعا الصّوت بالملا ... فإنّ الملا عندي يزيد المدى بُعدَا
والملاء مصدر الملي ممدود ويقال إنّه لمليء بين الملاء فأمّا الملأ الجماعة من الرجال مهموز غير ممدود قال الله عزّ وجلّ {قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ}. والملأ أيضاً الخلق مقصور غير ممدود) وكذا اقال أبو علي القالي في المقصور والممدود ص11 (والملا ما اتسع من الأرض واستوى، مقصور يكتب بالألف، قال تأبط شرا:
ولكنني أروي من الخمر هامتي ... وأمضي الملا بالصاحب المتبذل
وقال حميد بن ثور: يبادرن أطفالا مساكين دونها ... ملا لا تخطاه العيون رغيب). وعلى تفسير الملا بالقصر، بالأرض الواسعة، والملاء بالمد بالغنى يكون معنى البيت أنك لو طلبت الغنى في الأرض الواسعة والفيافي القاحلة لوجدته إن صح منك رجاء وتوكل على الله، وهذا المعنى يناسب المقام ومقصد الناظم في الحث على التوكل على الله وصحة الرجاء فيه.."
....
تقديم: د. أدي ولد آدب
المقصور والممدود: استبطانا، واستنباطا

حينما أنْوي مُقارَبَة أي موضوع إبداعي، أو أكاديمي، "أطوفُ" حوْله- ربما أكثر من "سبعة أشواط"- سعْيا لاستلام "رُكْنِه الأسْعد"، من زاوية، لم يُسْتَلَمْ- قبْلي- من خلالها، لأنَّ ما سِوى ذلك، يبْقى -في نظري- مُجَرَّدَ ترْجيعٍ لأصداء أصوات سابقة، وتقفيا لخُطى دارجة على هذا الطريق المُعَبَّد، وتحْصيلا لحاصل....
وهكذا، عندما شرَّفَني الشيخ الدكتور أبَايَ محمد محمود، بقراءة " العَذْبِ المَوْرُودِ"- عمَله هذا- حوْل شرْح الشيخ سيدي المختار الكنتي "فتْح الودود"، لمنظومة "المقْصور والممْدود"، لابن مالك، انخرطُتُ- بعْد قراءته- في عملية البحْث عن المدخل الجديد، للمقاربة الجديدة، حتَّى اهتديْتُ- بعْد استبْطانِ بنْيةِ العنوان- إلى اسْتنباطِ دلالةٍ له مُفارِقَةٍ، جديرةٍ بالتناوُل، لأنَّها تقترحُ تأويلا أعْمَقَ لمفهوميْ "القصْر"، و "المَدِّ"، بعيدا عن حَدِّيةِ المُصْطَلَحَيْنِ اللغوييْن.
فـ "المقصور والممدود" مَبْحَثٌ لغوي عريق، حوَّلَه ابنُ مالك- في منظومته- إلى وسيلةٍ مُزْدَوِجَةٍ، لتعليم المَبْنَى اللغوي، ممزوجا بالمَعْنَى التربوي، إذ لا قيمة للثراء المُعْجَمِي وحْده، ما لمْ يُوَظَّفْ هذا الرصيد في إنتاج المَعْنى، ويَستهْدفُ هذا المَنْحَى -عند ابن مالك- أنْ لا يَنْفَصلَ جَسَدُ لُغَةِ العَرَبِ، عنْ رُوحها الخُلُقي، الذي ربَطها به الدينُ الإسلامي، حينَ اصْطَفاها اللهُ وعاءً لمَضْمُونِ رسالته الكونية الخالدة... علما بأنَّ أبا القاسم القشيري كان سباقا، إلى توظيف اللغة في سياقها الروحي التربوي هذا، حيث كان يعتبر إعْرابَ الأفْعال، أوْلى من إعْراب الأقوال.
وقد اتَّبَعَ الشيخُ سيدي المختار الكنتي – هو الآخرُ- ذلك المَنْزَعَ اللغوي، الترْبوي، نفْسَه، فهو يتجاوزُ شرْحَ الألفاظ مُعْجَميا، إلى تفْكيك الحُمُولةِ الترْبوية، الكامِنَةِ خلْفَ البِناء اللغوي المُخْتَزَل، مُسْتَطْرِدًا إلى كلِّ ما يُعَزِّزُ هذه الرسالة الوعْظِيةَ الدَّعوِية، من نُصوص مُوازية، تسْتَوْحيها – ولو من بعيد- بنْيَةُ كلِّ بيْت من مقصور ابن مالك وممدوده، سواء كانت أبياتا شعرية شاهدةً، أو أمثالا عربية خالدة، أو حكايات وروايات ذات فائدة، أو"آيات" و"أحاديث" رافدة، مُرَتِّبًا مُدَرَّجَ الاستدعاء و"التَّنَاصّ" عنْده عبْرَ فُنُونِ "الاستعارة"، و"التلويح"، و"الاستطراد"، و" التلميح"، و"الكناية"، و"الاقتباس"، و"التمثيل"....دامجا- بذلك- فنونَ البلاغة، في إطار المنظومة المعرفية العربية المتكاملة، التي لا يكاد فنٌّ منها يستقلُّ بنفْسه عن الآخر؛ لأنها كلها تتآزَرُ في بنْيةٍ عضْوية وجودية؛ من أجْل النَّصِّ القُرآني الأقدس، الذي تأسَّستْ -أصْلا- لخِدْمَة جنابه.
ومن المُلاحَظِ هنا أنَّ الرسالةَ التوْجيهية "الترْبوية"، التي يَسْتَبْطِنُها نَصُّ "المَقصور والممْدود" لابن مالك، ليستْ من مَعْدِنِ الوَصايا العُمومية الواضحة، المُوَجَّهة للناس كافة، بلغةٍ وأسلوبٍ يفهمُهما الجميع.. بلْ هي رسالةٌ شِبْهُ "مُشَفَّرَةٍ" بمُعْجَمِها اللغوي العَصِيّ، ذِي المَعْنَى "المْقْصور" على الخوَاصِّ، و "الممْدود" إلى العموم، إنْ وُجِدَ مَنْ يسْتنْبِط ُما اسْتَبْطَنَه منْ مَعَانٍ، وهذا ما قامَ به الشيْخ الشارح.
وهكذا يتجلَّى هنا أنَّ ابن مالك ناظم " المقصور والممدود" التزمَ بتراتبية بنْية العنوان، فكان يقدم "المقصور" على "الممدود"، وكأن" القصْرَ" هو الأصل عنده، و"المَدّ" لاحق عليه؟ مع أن البناء اللغوي، والأصل الاشتقاقي للكلمتين قابل لتعاقب القصْر والمَدّ، بحيث يجوز-عقلا ونقلا- قصْرُ الممدود، ومدُّ المقصور" ولو تَجَوُّزًا". إلا أنَّ التزامَ الناظم بتلك التراتبية الثابتة، التي تجعل "المقصور" قبْل "الممدود"، ضرْبَة لازِبٍ، يُوحِي بأنَّها داخلةٌ في اللعبة الرمْزية التربوية التي بُنِي عليْها النصُّ عُموما، بحيْث يُصْبِحُ " المقصورُ- في نظري- رمْزًا عنده لـ "الدُّنْيا"، و"الممدود"-عنده- رمْزًا لـ "الأخرى"؛ لأنَّ لفْظ الأوَّلِ يُوحِي بأنَّه نِسْبِي، ولفْظ الثاني يُوحِي بأنَّه مُطْلَق.
وهكذا يُمْكِنُ أنْ نسْتخلصَ أيضا، في نِهاية اسْتنطاق بنْية العنوان المُكْتَنِزَةِ الدلالات-عبْر جدَلية الاسْتبطان والاسْتنباط- أنَّ "المقصور"=عمَلُ الناظم ، و"الممدود"= عمَلُ الشارح؛ حيْث يقتصرُ الأولُ على الاخْتصار، ويَمُدُّ الثاني ما قصرَه الناظمُ، واختزلَه، وكأنَّ "المَقصور- من ناحية أخْرى-" هو التفسيرُ اللغوي، و"الممدود" هو التفسير الإشاري، وإذا تمَاديْنا في هذا المَنْحَى، يمكن اعتبار اختصار الشيخ الدكتور أباي قصْرًا نِسْبِيا لما مَدَّهُ الشارحُ، ممَّا قصرَه النَّاظِمُ، وليس تقديمي المتواضع هذا إلا محاولة تأمل في البنية العميقة لكل ذلك.

د. أدي ولد آدب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه

وصلى الله على الهادى الأمين