الخميس، 25 يونيو 2026

تنقيب في مناجم النصوص:النص09


لادور من الدهر المان    لد عن لحنش لعـــــــم
ألا تحامر صنعت فلان     الا طيب اطياب اللحم
ألاتعود وكيل الليتام      ألا تعود أعليهم خصام
ألا توجه شورك لكلام     كان وجه حد أبكــــــلم
ألا دير أفراصك لعظام    ألا تحوز أعظام الردم
ألا تگيس أجيد بالسيف     مايگيس أجيد لعنيف
ألا تعامل بالمتن أضعيف    لا أتلين لهل العظم
ألا تميرد مراد الصيف          ألا تزاحم عند الحجم
ألا تعود أبخامل تزهد           ألا تعود أفعذر تنعد
ألا أتگيس أبيامس منغد       ظن فيه البارد يحم
ألا أتسد مسداك الحد      ما أيگيس أعليه اللحم
بين يامس هو و اليوم      باش فيه أتفيق من النوم
گوم كانك گديت أتگوم     ألا تخل ظيفك يظم
ألا تعود أفمالك مذ موم     لا دير أفراصك فظم
تم عدل ميسور المال           لا أتواس للمال أگبال
لا تشيع أبكره أزگال            باش مالك فيدك ينم
ومال ماه من كسب أحلال     لا أتشيتف بيه العتم
لا أتگرب شورك وأتحوز حد     شورك ماه محيوز
عت فم أتبع لغـــــــــروز         ألا أتسب لكان أطم
وحد ماه وياك أفحـــــوز         لا دور أعليه الخطم
لا تلوح أبن عم أجبــــــاو        لا أتعاف لما عفاو
گوم منهم فلخير أسعاو        لا تمسك عنهم صدم
أوكان گومك فظو أمشاو      لا أتحان مشي الظلم
لا تعود أرويجل بخناس         ما أيناصف فالدهر الناس
ألا تعود فشغلك لدناس         لا أتحامر شغل اللحم
لا أتشيد بني أبلا ساس         لا أطيح أعليك الدهم
عود تارك للمعصيات           لا أتمس اللجنبيات
لا تنوم أفوقت الصلوات       ألا تشيفر كون العلم
دير با لك شور الآيات            لا أتخصك منهم كلم
بت عنك فزمان أشديد           مايجيه الخاط لكريد
مال فيدك موجود أجديد        جود بيه أفسد الثلم
وكان عت من العار أبعيد        لا دير أعليك اللزم
لا أطيح الحد أفليـــــدين         كون حد إكيسك با للين
ولا أتعيب حد أبش شين        لا يرد أعليك الحشم
ولا دور أسنادت مسكين        لا أيطيح أرديف الدهم
لا تعود گعاد أفلخيــــام           ولا تعود أعليهم دمدام
ولا تعود بلغد خمـــــام            ولا تخاصم تو العتم
ولا تميل شورك ليدام             لا تكبر زاد اللگم

حين يقرأ المرء وصية الحاج ولد كتاب رحمه الله يشعر أنه أمام رجل خبر الدهر، وخالط الناس، وعرف طبائعهم، ثم جلس في آخر المطاف يقطر تلك التجربة الطويلة في كلمات قليلة، لكنها محملة بأوزان من المعاني.
فالوصية لا تبدأ بالأمل، وإنما تبدأ بالحذر:
"لادور امن الدهر المان"
وكأن أول درس يتلقاه الإنسان في مدرسة الحياة هو ألا يركن إلى الزمان ولا يطمئن إلى تقلباته. فالدهر عند العرب والحسانيين معلم قاسٍ، يمنح اليوم ما يسلبه غداً، ويقرب ما يبعده بعد حين. ولذلك ينهى الأديب عن طلب الأمان المطلق من الدنيا، لأن الأمان فيها مؤقت، أما الاطمئنان الكامل فليس من طبائعها.
ثم ينتقل إلى الحديث عن الشخصية المتوازنة:
"ؤلاتحامر صنعت حسان
ؤلاطيب أطياب اللحـــمه"
وهي من أجمل صور النص. فهو لا يريد للإنسان أن يكون فظاً منفراً، ولا أن يكون ليناً إلى درجة الاستباحة. فاللحم مهما بلغت جودته يظل قابلاً لأن يطبخه كل أحد. والمعنى أن المروءة ليست في القسوة، كما أنها ليست في الاستسلام، بل في ذلك التوازن الدقيق الذي يجعل الإنسان عزيزاً دون تكبر، ليناً دون ضعف.
وفي قوله:
"ؤلاتكيس الجيد بالسيف
مايكيس الجيد لعنيــــف"
ترتفع الحكمة إلى مستوى الفلسفة الاجتماعية. فصاحب المجد والفضل لا يروضه العنف، ولا يُنال بالبطش، لأن النفوس الكريمة لا تستجيب للإكراه بقدر ما تستجيب للخلق والحكمة. إنها دعوة لفهم طبائع الناس قبل التعامل معهم.
ومن أبدع مقاطع الوصية قوله:
"ؤلاتعامل بالمتن اضعيف
ؤلاتلين لهل العظــــــــــم"
فقد جمع بين طرفي العدالة. لا تستقوِ على الضعيف لأنه لا يستطيع ردك، ولا تخضع للمتجبر لأنه يستطيع أذاك. وكأن الرجولة الحقة عنده هي أن يبقى الإنسان ثابتاً بين الضعف والقوة، لا يظلم هذا ولا يذل لذاك.
ثم تتجلى عبقرية التجربة في وصاياه المتعلقة بالحذر والاحتياط:
"ؤلا أطول ميراد الصيف
ؤلاتزاحم عند الحجـــــــم"
فهو لا يتحدث عن طريق البئر فقط، بل عن منهج حياة كامل. اقترب من أسباب النجاة قبل الحاجة إليها، ولا تنتظر الأزمة حتى تبدأ التفكير في الحلول. إنها حكمة الاستعداد قبل وقوع الطوارئ.
ومن أكثر المقاطع عمقاً قوله:
"ؤلاتعود أوكيل الليتام
ؤلاتعود أعليهم خصام"
فهو يدرك أن مال اليتيم باب عظيم من أبواب المسؤولية، وأن كثيراً من الناس يدخلونه بحسن نية ثم يخرجون منه مثقلين بالخصومات والتبعات. ولذلك جاءت الوصية هنا احتياطاً للدين قبل الدنيا.
ثم يبلغ النص درجة عالية من الرقي النفسي في قوله:
"ؤلاتوجه شورك لكلام
كان گمن حد أبكلــــــم"
فكم من إنسان أتعب نفسه لأنه ظن أن كل كلمة قيلت تعنيه، وكل تعريض وُجه إليه. والحاج ولد كتاب يعلّمنا هنا درساً نادراً في سلامة الصدر: لا تجعل نفسك هدفاً لكل سهم طائش، ولا تلتقط الإشارات المرسلة على غير وجهها.
وفي قوله:
"ولاتحشم حد أبشي شين
ؤلادير افراصك حشـــم"
تظهر أخلاق الكبار. فلا تفضح الناس بعيوبهم، ولا تمنحهم أنت فرصة لفضحك. إنها معادلة قائمة على الستر والاستقامة معاً.
ومن أبلغ ما في الوصية حديثه عن العصبية والقرابة:
"ؤلاتلوم ابن عم أجناو
ؤلاتعافي لَ ماعفـــــاو"
فهو لا يدعو إلى نصرة الباطل، وإنما يدعو إلى المحافظة على وحدة الصف وعدم التفرد بالمواقف التي تمزق الجماعة وتكسر روابطها. فالإنسان وحده ضعيف، وقوته كثيراً ما تكون في أهله وعشيرته.
ويصل النص إلى ذروة نضجه الاقتصادي في قوله:
"مال ماه من كسب إحلال

لاتشيتك بيه العتــــــم"
إنها حكمة مستمدة من صميم العقيدة. فالمال الحرام لا يفسد نفسه فقط، بل يفسد ما جاوره من المال الحلال. وكأن الأديب يعيد صياغة المعنى القرآني الخالد: أن البركة لا تجتمع مع الخبث، وأن الحرام مهما كثر عدده فهو إلى محق وزوال.
ثم تتوالى الوصايا حتى تبلغ أساس العمران كله:
"ؤلاتشيد بني ابلا ساس
لاأطيح اعليك الهـــــدم"
وهذه ليست وصية في البناء المادي فحسب، بل في العلم والعمل والعلاقات والمشاريع والأفكار. فما بني على غير أساس مصيره السقوط، ولو بدا شامخاً في أول الأمر.
ويختم وصيته بجملة من الوصايا الدينية والاجتماعية التي تكشف أن غاية الحكمة كلها هي صلاح الإنسان:
"وعود تارك للمعصيات
ؤلاتمس اللجنبيـــــــات
ؤلاتنوم افوقت الصـلاة
ؤلاتشيفر كون العلــــم"
فبعد رحلة طويلة في الحديث عن الدنيا والناس والمال والقرابة، يعود إلى الأصل الذي تنتظم حوله جميع الوصايا: تقوى الله، وتعظيم الصلاة، وصحبة أهل العلم.
وهكذا تبدو وصية الحاج ولد كتاب رحمه الله كأنها سيرة حياة مكتوبة في صورة حكم. فهي لا تعلم الإنسان كيف ينجح فحسب، بل كيف يحافظ على دينه ومروءته وعلاقاته وسمعته وماله وقلبه في آن واحد. ولذلك بقيت هذه الوصية حية في الذاكرة الشعبية، لأنها لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت أيضاً بتجربة عمر كامل.
هذا النص ليس مجرد مجموعة من الوصايا المتفرقة، بل هو أقرب إلى دستور أخلاقي واجتماعي صاغه الحاج ولد كتاب رحمه الله من خلاصة تجربة طويلة مع الناس والزمان.
وما يلفت النظر فيه أن صاحبه لا يتحدث من برج نظري، وإنما من أرض الواقع، ولذلك جاءت وصاياه مشبعة بصور الحياة البدوية وقيم المجتمع الحساني ومفرداته اليومية، حتى تحولت كل عبارة إلى حكمة قابلة للحياة والاستعمال.
‏بوكه باب ‏02‏/06‏/2026م

الخميس، 11 يونيو 2026

تنقيب في مناجم النصوص:النص08

دمع العين اليوم ابـلا فيــه اجْـميل اعلَــ سبّت لكـتــيـــل
فرْظْ إيسيل و لگبيل اعليه فرْظْ إيسيل ابلا فيه اجْميـــل
تفكٌـاد الحلَّه سهَّـــــــــــانِي تجلاجُو عن بعْدْ أوطـــــــانِي
مانِي متفكٌـّد شِي ثــــــانِي وللَّ تايـب لك يالجــــــــــليل
احجل لِّي شِي ثانِي مانِــي ناسيه اتفگَّدتُو ثــَــــقيـــــــل
دهر امْكٌيل الناس اتـْحـانِي حر الصيف إيفوت افلمكٌيــل
لِكٌـْبيل افلِكٌصَر متكٌــــــانِي هانِي ماهُو فالصيف ارْحيــل
إيحانِي لخظــــــار و هاني فالظل و متلاحكٌ لِكٌـْبيــــــل
ابكــيلك يالعيــــــــن أرانِي طيتك لَذْن افتبكِي وِيسيــــــل
دمع العين..............
هذا النص من النصوص التي تتجاوز ظاهر الغزل إلى فضاءات أوسع؛ فهو في ظاهره حديث عن وجد وحنين، لكنه في باطنه بكاء على الأطلال، واستحضار لمواسم العمر، وتأمل في حركة الناس بين الاستقرار والارتحال، بل وفيه تلك اللمسة التي اعتدناها عند الأديب محمد ولد آدب رحمه الله، حيث يمتزج الحب بالمكان، والمكان بالذكرى، والذكرى بالتوحيد.
ما يلفت النظر أولاً هو أن الكاف الذي افتتح به النص يبدو غزلياً خالصاً:
دمع العين اليوم ابلا فيه
اجميل اعلَ سبّت لكتيل
فرْظْ إسيل و لگبيل اعليه
فرْظْ إيسيل ابلا فيه اجميل
فالأديب يقرر أن دموع العين اليوم لا لوم عليها. وكلمة "ابلا فيه" تحمل معنى رفع الملامة والعذر. فالدمع هنا ليس ضعفاً ولا شكوى مذمومة، بل استجابة طبيعية لما اعتمل في القلب من وجد.
لكن اللافت أنه لا يقف عند المحبوبة وحدها. نعم، بها يبدأ، غير أنه سرعان ما يوسع دائرة الحنين لتشمل "لكبيل"، أي القبيلة والمجتمع والحي والناس. وكأن الدمع الذي سال بسبب الجمال الفردي اتسع حتى صار بكاء على عالم كامل من الذكريات والعلاقات والأماكن.
وهنا تظهر سمة متكررة عند محمد ولد آدب رحمه الله؛ فهو لا يحصر المتلقي في زاوية واحدة. فالعاشق يجد نفسه في النص، والمغترب يجد نفسه فيه، ومن فقد أهله أو دياره يجد نفسه فيه أيضاً. ولذلك بقيت نصوصه قادرة على مخاطبة شرائح مختلفة من الناس.
ثم تأتي الطلعة لتكشف المقصود شيئاً فشيئاً:
تفگاد الحلَـــــّه سهَّانِي
تجلاجُ عن بعْدْ أوطانِ
إنه يتذكر الحلة؛ والحلة هنا ليست مجرد خيام منصوبة، بل هي مركز الحياة الاجتماعية والقيادة والدفء الإنساني. إنها الوطن الصغير الذي تختزن فيه القبيلة ذاكرتها الجماعية. ولذلك فإن مجرد استحضارها أنساه مرارة البعد عن الأوطان.
لكن الأديب سرعان ما يستدرك:
مانِ متفگّد شِ ثـــــــانِي
واللَّ تايب لك يالجليــــل
احجل لِّي شِي ثانِي مانِي
ناسيه اتفگَّدتُو ثــَـــــــقيل
وهذا من أجمل مواضع النص. فهو يقول إنه لا يتذكر شيئاً غير الحلة، ثم يعود فوراً ليعترف بأنه تذكر شيئاً آخر. وكأن الذاكرة نفسها تحاوره. حاول أن يقنع نفسه بأن الحنين كله للأوطان، فإذا بجراح أخرى تستيقظ في أعماقه. لذلك جاء قوله "والل تايب لك يا الجليل" اعتذاراً واستدراكاً، فيه مسحة إيمانية لطيفة تعكس صدق التجربة.
ثم ينتقل النص إلى لوحة من أجمل لوحات البيئة التكانتية:
دهر امگيل الناس اتحانِي
حر الصيف إفوت افلمگيل
فهنا لا يتحدث عن زمان مجرد، بل عن مشهد حي يعرفه أهل الكيطنة حق المعرفة. وقت القيلولة، واشتداد الحر ثم انكساره شيئاً فشيئاً، وانتظار الناس لانفراج وهج النهار. إنها صورة لا تُفهم كاملة إلا لمن عاش تلك الأجواء بين النخيل والعيون.
ثم يرسم صورة أخرى أكثر حياة:
لگبيل افلگصر متگــــــانِي
هانِي ماهُو فالصيف ارحيل
فالناس في "لكصر" متقاربون، متجاورون، مستقرون. لا رحيل ولا انتقال. الجميع مجتمع تحت ظلال النخيل وبين مياه العيون الباردة. وهنا يتحول النص من ذكر الحلة إلى استحضار نمط حياة كامل.
ومن أجمل ما في هذا المقطع أن الأديب لا يصف النخيل مباشرة، ولا العيون مباشرة، وإنما يصف أثرها في الناس. فالإنسان هو مركز الصورة، لا المكان وحده.
ثم يبلغ الحنين ذروته:
إحانِي لخظــــــار وهاني
فالظل و متلاحگ لگبيل
إنه انتظار الخريف بعد الكيطنة. انتظار موسم آخر، وحياة أخرى، وعودة أخرى. فالناس في الظل، والقبيلة مجتمعة متماسكة، والزمن يمضي بين موسم وموسم.
وهنا ندرك أن النص ليس عن لحظة عابرة، بل عن دورة الحياة البدوية نفسها: "كيطنة"، ثم خريف، ثم عودة إلى المواطن والربوع.
وعندما يصل إلى الخاتمة:
ابكي لك يالعيـــن أرانِي
طيتك لذن افتبكِي وِيسيل
يصدر حكماً نهائياً. لم يعد يحاول مقاومة الدمع. لقد أعطى العين الإذن بالبكاء.
وهذا الإذن ليس إذناً بالبكاء على امرأة فحسب، ولا على مكان فحسب، بل على عالم كامل استحضره النص: الحلة، والأوطان، والكيطنة، والنخيل، والقبيلة، والخريف، والرفقة، والأيام التي مضت ولن تعود بالصورة نفسها.
ولذلك فإن العودة إلى الكاف في النهاية:
دمع العين اليوم ابلا فيه
تصبح أكثر عمقاً مما بدت عليه في البداية. ففي أول النص ظن السامع أن الدمع سببه الغزل وحده، لكن بعد أن قطع رحلة الطلعة كلها اكتشف أن الدمع يحمل أثقالاً كثيرة: وجد المحب، وحنين المغترب، وذكرى المواسم، وشوق الإنسان إلى زمن مضى.
وهذا من أسرار جمال نصوص محمد ولد آدب رحمه الله؛ إذ يبدأ المعنى صغيراً ثم يتسع شيئاً فشيئاً حتى يصبح مرآة يرى فيها كل متلقٍ شيئاً من نفسه. فلا يعود البكاء بكاء عاشق وحده، بل بكاء إنسان على ما أحب، وما فقد، وما بقي عالقاً في ذاكرته من صور المكان والناس والزمان.
بوكه باب ‏30‏/05‏/2026م


 

الأحد، 7 يونيو 2026

مقتبس حول مركزية إيكاون/الشُّعَّار/المُغَنِّين في مجتمع البيظان

أما طبقة إيكاون/الشُّعَّار/المُغَنِّين"، فمركزهم الاجتماعي عزيز بين مختلف الطبقات، ومقامهم ومقالهم مرغوبان في المدح والإشهار والإمتاع والمؤانسة، ومرهوبان في القدح والتشهير، وقد لفت انتباهي أن نشأتهم -بصفتهم الاحترافية- قد ظهرت في رسالة اللمتوني إلى السيوطي 910هـ، عند وصفه لمختلف أحوال مجتمعه، حين قال: "مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَّا الْغِنَاءَ، وَالْمِزْمَارَ، وَمَدْحَ مَنْ أَعْطَاهُ، وَذَمَّ عَكْسِهِ".
وقد لفت انتباهي أيضا أن السيوطي لم يكد يتجاهل سؤالا في رده على اللمتوني غير هذا، ومهما تكن القيمة التأريخية لهذه الجملة الاعتراضية، فإن فئة "إيكاون"، ربما لقلة عددهم نسبيا وحساسية مهنتهم وفاعلية دورها في التشجيع والتشنيع، وفي الإبداع والإمتاع، فإن عقدها الاجتماعي مع طبقتي "العرب" "المتمغفرين"، و"الزوايا" "المستعربين"، لم يكن يقوم أبدا على مجرد الإكرام والتبجيل العفويين، والولاء الروحي والمصالحي، بل كانت أحيانا تضيف إلى ذلك عقودًا بين الطرفين موثقةً في "التهيدين"، الذي هو منتج رمزي إشهاري سَيَّار، ومصدر معتبر لإنتاج القيم وتوثيقها، حيث يكتب من قيم العرب والمستعربين ما تجاهلته أقلام الزوايا "المتمربطين" عن سبق إصرار وترصد، ففي تهيدينة لـ(ول ابيب بن أيده) من "شعُّار" كنته تصريح واضح ببنود العقد الاجتماعي بينه وبين هذه الجماعة:
جمل العقدة، واشه، والمد
والمسلان، ونخلة لقصـر
وهذه البنود المنظومة بالشعر الحساني الملحمي الأثير، تبدو ترجمة شبه أمينة لمنثور بنود إدوعيش (1775م)، مع سدوم ولد انجرت، حيث ضمن له عثمان ول اعل بابي بن أعمر -إذا تحول إليهم من بلاطات إمارات أولاد امبارك- حمالةً على قومه، تتمثل في: ثنية من كل غنم، وكل فرس أعيت، وكل صيد وحشي خلال الرحيل، ومُدُّ تكانت، وجمل كلِّ مُزَوَّجٍ، ووركِ كل قنص وحشي، والظهر من كل ذبيحة .
وتتم مثل هذه العقود مع "الشعَّار" المؤثرين في إطار التقاطب بين السلطات العليا لهذا المجتمع السائب، في معمعان توزان الرعب بينها، ولذلك نرى أن إبرام إدوعيش ذلك العقد مع سدوم بن انجرتو كان قبل معركة احنيكات بغداد (1778م)، التي انتصرت فيها هذه الإمارة اللمتونية أول مرة على الحلف العربي المغفري بثلاث سنوات ، فهل كان لصوت سدوم (السلاح الفني الرمزي) تأثير لتعديل ميزان القوة لصالح إدوعيش؟
على كل حال، يندرج في هذا الإطار التنافسي المحتدم بين القوى الكبرى في مجتمع السيبة، على استقطاب "إيكاون"، ما صرح به سدوم بن آبّ في مدحه لكنته من انتزاعها إياهم من عرب "المغفر" بالسلاح أو بالسماح، بالحب أو بالحرب، لست أدري؟
المهم أنه يقول مؤسسا ذلك التعاقد الآنف على ولاء روحي ودي عميق، يتقمص أعمق مراحل الولاء النسبي، الأبوة والأمومة:
"كنتَه" گلعون من "مغفر"
من عند ابتدايْ أوَّنَّ
لنْتهايْ التالي لوْخَرْ
احْنَ هاذو ووَايِنَّ
"كنتَه" ما هم مَحلْ أنْظرْ
هومَ گاعَ ابْلدْ مْنزَنَّ
وابْلدْ عِيشتَنَ واصَنَّ
فـ انْهَارَات إِريفِي والحَرْ
هومَ گاعَ ابْلدْ مْنزَنَّ
إسَنّونَ بالنهْيْ ؤ لمرْ
اعْل الشـريعَه والسُّنَّ(ـه)
*
هومه عصبْ امْعَانَ واظْهَرْ
واصْل أنَّ، وابْلد مَسْكَنَّ
وامنينْ المَشْبُوح إغَبّرْ
وانْحُومُو يَتَلَگَّاوْانَّ
وِقَايَ من لهْفات الظّرْ
أنَّ، صابَلنَ لا گنَّ
*
منهمْ تبْر أذهبْنَ لحْمَرْ
ؤمنْهمْ فظّتْنَ وابَنَّ
واگلايد مَرْفِينَ لخْظَرْ
واعْتَم هجْمَات امْحَاگنَّ
ؤمنْهمْ ذاكَ امْن العَد اكْثَرْ
واطباگ (...) وانْخَلنَّ
ؤصَكرْنَ فبَّاتِيگ أنْدَرْ
وازْرَبَانَ واحْنَابَنَّ
بل يعمق انتماءهم لكنته؛ حيث يقلب علاقة الإضافة النسبية بين المسند والمسند إليه، فإذا كان العادي المألوف في دارج كلام القوم، أن ينسب الأقل إلى الأكثر، والفرع إلى الأصل، فيقال مثلا: إيكاون أهل افلان، فإن الشاعر جعل قبيلة كنته هي المسند، وهم المسند إليه، معتبرا أنهم هم الذين يملكونها أكثر مما تملكهم ولاء ومودة ومعاهدة، ولتنفيذ هذه اللعبة الفنية الجميلة بنى قصيدته/تهيدينته، على أنَّ.. أنَّ.. أنَّ... وتلك إيطاء ظاهرة، (فيها "إن")، كما يقولون، لكنها مقصودة فنيا للتعبير عن هذه النسبة المقلوبة، حتى أن القصيدة عنونت بـ"انَّ" إمعانا في الدعوى المبدعة الرائعة.
ص:43-46 من كتاب أدي آدب.

الجمعة، 5 يونيو 2026

حين تتحد الإرادات من أجل المصلحة العامة

في مشهد يستحق الإشادة والتقدير، شهدت مدينة انبيكة، عاصمة بلدية تامورت انعاج، مبادرة واسعة للنظافة العامة جسدت أسمى معاني التعاون والمسؤولية الجماعية، وأكدت مرة أخرى أن المجتمعات الحية لا تنتظر الحلول من الآخرين بقدر ما تبادر إلى صناعة واقعها بجهود أبنائها وإرادتهم.

لقد جاءت هذه المبادرة بدعوة من عمدة بلدية تامورت انعاج، السيد سيد أحمد ولد محمد، الذي أحسن التقاط واحدة من أهم القضايا المرتبطة بجودة الحياة والصحة العامة والمظهر الحضاري للمدينة. وما كان لهذه الدعوة أن تحقق هذا النجاح اللافت لولا الاستجابة الواسعة التي وجدتها من مختلف مكونات المجتمع.

فقد شاركت هيئات ومنظمات المجتمع المدني، كما شارك الشباب والكهول، والرجال والنساء، والكبار والصغار، في صورة تعكس معدن هذا المجتمع الذي اعتاد أن يكون حاضراً كلما تعلق الأمر بما ينفع الناس ويخدم الصالح العام. وهي سمة طالما ميزت سكان هذه المنطقة، الذين يدركون أن الخلافات والاعتبارات المختلفة يجب أن تتراجع عندما يتعلق الأمر بمصلحة المدينة وراحة أهلها وصورة مجتمعها.

كما تستحق مشاركة الجيش الوطني، ممثلاً في مركز تدريب المغاوير، كل الثناء والتقدير. فقد عودتنا المؤسسة العسكرية على الحضور الفاعل في مختلف المبادرات ذات البعد المجتمعي والإنساني، مؤكدة أن دورها لا يقتصر على المهام الأمنية والعسكرية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى المساهمة في كل ما يعود بالنفع على المواطنين ويعزز روح المواطنة والتكافل.

إن النظافة ليست مجرد إزالة للأوساخ والمخلفات، بل هي ثقافة وسلوك ووعي حضاري. وحين يشارك فيها الجميع فإن الرسالة تصبح أعمق أثراً من النتائج المادية المباشرة. فالطفل الذي يرى الكبار يشاركون في تنظيف مدينتهم يتعلم احترام الفضاء العام، والشاب الذي يساهم بجهده يشعر بأن له دوراً في بناء محيطه، والمجتمع كله يكتسب مزيداً من الوعي المدني وروح المسؤولية المشتركة.

ومن هنا، فإن من المفيد أن تتحول هذه المبادرة إلى موعد دوري ثابت، وليكن مرة كل ثلاثة أشهر مثلاً. صحيح أن مثل هذه الأنشطة تحتاج إلى جهد تنظيمي وإلى بعض الموارد المادية، لكنها استثمار حقيقي في صحة المجتمع وجمال المدينة وترسيخ ثقافة المواطنة. وما يُنفق عليها اليوم سيعود أضعافاً مضاعفة في صورة بيئة أنظف، ووعي أرقى، وسلوك أكثر تحضراً.

الشكر موصول إلى عمدة البلدية على هذه المبادرة، وإلى كل من لبى النداء وساهم فيها، سواء بجهده أو وقته أو دعمه أو تشجيعه. فنجاح الأعمال الجماعية لا يصنعه شخص واحد، وإنما تصنعه سواعد كثيرة وقلوب مؤمنة بأن خدمة المجتمع مسؤولية يشترك فيها الجميع، كلٌّ حسب طاقته ووسعه.

وما دام في هذه الأرض رجال ونساء وشباب يحملون هذه الروح، فإن الخير باقٍ بإذن الله، وما ينفع الناس يمكث في الأرض.

 

الخميس، 4 يونيو 2026

تنقيب في مناجم النصوص:النص07

ماني تاهم كنت أن "ألاگ    " فيه أمن التعلاك ألخلاك

كدلي جبرت يالخـــــــلاك     يامس عند "ألاك" اخلاكي.

والا لو لالي خوف اعلاك     يبك فالناس أمن اتفـــاكي.

نتأنّ فالاك أمن امـــــرين      أمر الوجد ألفي بـــــاكي

وامر أملي لوجه لحســين      ألي يخلاكي تشتــــــاكي

وانتم الا ف "ألاك" إلين      نلك فـ "ألاك" ألل لاكـــي

 

في هذه الطلعة الرفيعة والكاف للأديب الكبير محمد ولد ببكر أمبارك تتجلى قدرة لغن الحساني على حمل العاطفة العميقة بألفاظ مقتصدة وإشارات موحية، دون حاجة إلى التصريح المباشر أو الإسهاب. فالطلعة هنا لا تقوم على الزينة اللفظية وحدها، وإنما على صدق الوجد ودقة التقاط اللحظة النفسية التي غيّرت مجرى شعور الأديب تجاه مدينة كاملة.

يبدأ الأديب بدهشة صادقة:

ماني تاهم كنت أن ألاگ

فيه أمن التعلاك الخـلاك

فـ "ألاك" لم تعد مجرد مدينة عابرة، بل صارت مكاناً ارتبط بصدمة وجدانية غير متوقعة. لم يكن يظن أن في هذه المدينة ما يوقظ داخله ذلك "التعلاك الخلاك"، أي ذلك الوجد الذي يخلخل توازن النفس ويقلب سكونها قلقاً وانتظاراً. ومن جمال العبارة أن المدينة نفسها تبدو كأنها تحمل سرّ هذا التعلق، لا مجرد الشخص الذي رآه فيها.

ثم يقول:

كدلي جبرت يالخلاك

وهنا ترتفع الطلعة من وصف الشعور إلى الإقرار بالموجد الخلاق سبحانه، وكأن الأديب يعترف بأن ما أصابه من تعلق ليس مجرد اختيار بشري خالص، بل شيء ساقه القدر إلى القلب دون استئذان. وهذه اللمحة التوحيدية تضفي على النص مسحة وقار روحي تمنعه من الانزلاق إلى الغزل المبتذل.

وفي قوله:

والا لو لالي خوف اعلاك

يبك فالناس أمن اتفــــاكي

تظهر أخلاقية الأديب الحساني القديم في أبهى صورها. فالمعنى هنا ليس خوفه على رفاقه من كلام الناس، وإنما خوفه من أن يترك في نفوسهم أثراً أو حرجاً إن بقي وحده في "ألاك" ولم يرحل معهم. فهو يشعر أن الرفقة تقتضي المعية، وأن الانفصال عنهم لأجل هواه الخاص قد يوقع في القلوب شيئاً من العتب أو الإحساس بالتخلي عن الصحبة. ولذلك كان مستعداً لأن يضحي بمصلحته الوجدانية الخاصة، وأن يرحل معهم رغم تعلقه بالمكان، صوناً للود وحماية لحرمة الرفقة ووفاءً للعشرة.

وهذا المعنى يرفع النص أخلاقياً بصورة لافتة؛ لأن الأديب هنا لا يقدّم هواه على الوفاء، ولا يجعل تعلقه العاطفي مبرراً للتقصير في حق الصحبة. بل إننا نجد القلب موزعاً بين نداء الوجد وواجب المروءة، وهي سمة أصيلة في لغن الحساني القديم، حيث يبقى الإنسان محكوماً بقيم الوفاء حتى في لحظات ضعفه العاطفي.

ثم يأتي لب النص:

نتأنّ فالاك أمن امــــرين

أمر الوجد ألفي بـــــاكي

وامر أملي لوجه لحسين

ألي يخلاكي تشتـــــاكي

فهو يقيم في "ألاك" لسببين: أولهما هذا الوجد الذي أبكاه وأتعبه، والثاني ذلك الأمل المعلق بوجه حسن افتقدته روحه طويلاً. وليس الحديث هنا عن جمال جسدي مبتذل، بل عن أثر داخلي عميق، كأن ذلك الوجه أيقظ في النفس شيئاً كان غائباً عنها.

ويزداد النص عفة وسمواً في أن الأديب، رغم عمق تعلقه، لم يعبّر إلا بالوجه وحده، وهو الموضع الذي جرت العادة بجواز النظر إليه، بينما تجاهل سائر الجسد تماماً. وهذا يدل على أن الوجد هنا وجد روح وتأمل، لا شهوة مبتذلة أو وصفا حسيا فجا. فالوجه في النص ليس مجرد ملامح جميلة، بل نافذة دخل منها الاضطراب إلى القلب، ومنه تشكلت كل هذه الحالة الوجدانية.

ثم يأتي الكاف خاتمةً للنص:

وانتم الا ف ألاگ إلين

نلك فـ ألاگ ألل لاكي

وهذا الكاف من أعمق ما في النص، لأنه لا يحمل معنى الإقامة العادية فقط، بل يوحي بأن الأديب منذ تلك النظرة كأنه حكم على نفسه بمسار ينتهي بالفناء حتما. فكأن تلك اللحظة لم تكن إعجاباً عابراً، بل قدراً اقتحم قلبه دفعة واحدة، حتى بدا مقتنعاً أن هذا الوجد سيلازمه إلى النهاية.

ولذلك يريد أن تكون تلك النهاية – إن وقعت – في "ألاك"، أي في المكان الذي بدأت فيه الحكاية وأشرقت فيه تلك النظرة الأولى.

وهنا تتحول "ألاك" من مدينة جغرافية إلى رمز وجداني ومصيري، حتى إن الإقامة فيها تصبح نوعاً من الوفاء لتلك اللحظة المؤسسة. ولذلك جاء قوله "ألل لاكي" مفتوحاً على معنيين معاً: إما لقاء ذلك الوجه الحسن، أو لقاء الله سبحانه، وفي هذا الامتزاج بين أمل اللقاء وإيحاء الفناء ترتفع الطلعة إلى أفق إنساني وتأملي بالغ العمق.

ولهذا جاءت هذه الطلعة ومعها الكاف غزلاً مقبولاً مهذباً، لا فحش فيه ولا تهتك، بل تمتزج فيه رقة العاطفة بوقار النفس، وتلوح فيه ظلال بكاء الأطلال ولمحات التوحيد والإيمان بالقضاء والقدر، وهي سمات تجعل لغن الحساني الرفيع أوسع من مجرد حديث عن الحب، بل تعبيراً عن الإنسان في ضعفه وحنينه وانتظاره.

بوكه باب ‏: 29‏ - 05 – 2026م


 

من رسائل الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي

من أبدع ما وصل إلينا من رسائل الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي، رحمه الله، هذه الرسالة التي كتبها إلى أخيه الأكبر الشيخ سيدي باب أحمد، وقد فاضت بمعاني الشوق والحنين، وازدانت بروائع البيان وجمال العبارة. فهي ليست مجرد رسالة أخ إلى أخيه، بل لوحة أدبية صوّر فيها الكاتب ما يجده من لوعة الفراق ومرارة البعد، وما يكنّه لأخيه من محبة صادقة ومودة راسخة، عاتبه فيها فيها عتاب المحب المشتاق لأخيه كما تجلت فيها قدرته البيانية الفائقة من خلال ما حشد فيها من محاسن الألفاظ وعذوبة التراكيب وقوة التصوير.
جانب من الرسالة :
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده ومن سار بإحسان من بعده.
هذا وإنه إلى عنصر المجد وأصله، وفرع الكرم وفصله، إنسان الأعيان وعين الإنسان، عيبة النصح وصنجة الرجح، الخليق بالنجاح والحقيق بخصيص الفلاح، الواصل في الله لله، والغني بالله مع الله، ذي الصيت الأصعد والسعي الأسعد والمقام الأنجر والشأو الأبعد، إلى سيدي باب أحمد.
من عبد مولاه الشاكر لجميل ما أولاه، محمد بن المختار بن أحمد بن أبي بكر، بسلام أشهى إلى القلب الشجي من طلعة جبينك البهي، وتحية تحيي الرميم وتنشر الود القديم، ورحمة لا تنتهي أعدادها ولا تنقضي أمدادها، وبركة تماسيك وتغاديك وتعم جميع من بناديك.
أما بعد أيها الشقيق الشفيق الرقيق الرفيق، ما هذا السلوان الدائم المتواصل، والبين القاصم الفاصل؟ ألم يرتسم بخيالك ويهجس ببالك ما لنا في وصالك الشهي من الأنس الصفي والنفع الجني؟
ثم يقول رحمه الله: «ولسنا ممن يجتمع للدنيا ويفترق من أجلها، وقد اشتقنا إليك اشتياق الأم للطفل، وحرمتنا عونك وأعوزتنا عينك، لا حرمت النوال ولا أعوزت المنال، وإنما يعد الأخ للأواء وتختزن الدموع للبكاء، فلو وصلتنا وصلك الله بأمراده، وشعبت ثلمنا شعب الله ثلمك بإسعاده».
الأمين العام لزاوية الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي
الشيخ عابدين سيدعمر