الخميس، 21 مايو 2026

تنقيب في مناجم النصوص النص: 5


ﻛﺎﻟﺤﻤﺪ ﺇﻝ ﻣﻨﺰﻝ ﻟﻌـــــــﻼﺏ

ﺩﻫﺮ ﻓﺎﺕ أ ﻛﻔﺎﺕ ﺍﺳﺤـــــﺎﺏ

ﻟﺨﺮﻳﻒ أﻃﺎﻑ ﻋﺎﺩ ﺍﺷﻬـــﺎﺏ

ﻟﺨﺮﻳﻒ أ ﺣﺮﻛﺖ ﻳﺎﺟـــــﻮﺭِه

ﻭﻓﺮﻕ ﺑﺎﺱ ﺍﻟﺨﻴﻞ أﻝ ﻟﺮﻛﺎﺏ

ﺍﻟﻤﻨﻬﻢ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻌــــــــــﺬﻭﺭه

ﻭﺍﺧﻠﻂ ﺑﺮﺩ ﺍﻟﻠﻴﻞ أ ﻟﻤﻈـــــﻞ

ﻭﺃﺭﻳﺎﺡ ﺍﻟﺴﻬﻮ ﻣﻬـــــــﺮﻭﺭه

ﻭﺍﺧﻠﻂ ﺯﺍﺩ ﺇﻛﻠﻴﻮ أﻇـــــــــﻞ

ﺍﻟﺨﻴﻤﺔ ﻫﻲ وأمـــــــــــــوره

 

 

ليست بعض النصوص الأدبية مجرد كلمات تُقال، بل هي ذاكرة كاملة تُستعاد، ومناخ روحي يعبر الزمن ليوقظ في النفس صورًا وأصواتًا وروائح كادت تضيع في زحام الحياة الحديثة.

ومن هذا الطراز الرفيع يأتي نص الأديب الكبير أربان ولد أعمر ولد محم الذي استطاع بلغة قليلة الألفاظ عظيمة الإيحاء أن يرسم مشهدًا صحراويًا كاملًا، تتحرك فيه الفصول، وتتبدل فيه الأزمنة، وتتنفس فيه الأرض كما يتنفس الإنسان.

يفتتح النص بقوله:

"ﻛﺎﻟﺤﻤﺪ ﺇﻝ ﻣﻨﺰﻝ ﻟﻌﻼﺏ"

وليس هذا الاستهلال مجرد افتتاح تقليدي بالحمد، بل هو مدخل وجداني عميق، كأن الأديب يحمد الله لا على حضور الأشياء، بل على بقائها في الذاكرة بعد أن غاب زمنها.

فـ“منزل لعلاب” هنا ليس مجرد مكان عابر، بل طلل حيّ يسكنه الحنين، وتعيش فيه آثار زمن مضى بكل ما فيه من بشر ومواسم ودفء وأصوات.

ثم تأتي العبارة الموجعة:


"ﺩﻫﺮ ﻓﺎﺕ أ ﻛﻔﺎﺕ ﺍﺳﺤﺎﺏ"

وهنا تتجلى عبقرية الاختزال عند أربان؛ فهو لا يتحدث فقط عن انقضاء فصل مناخي، بل عن أفول زمن كامل. فالسحب التي كانت تملأ السماء حياةً ومطرًا بدأت تتراجع، وكأن الطبيعة نفسها تطوي صفحة مرحلة كاملة من عمر البادية.

إنها لحظة انتقال دقيقة بين وفرة الخريف وملامح الشتاء الأولى، لحظة لا يدرك جمالها إلا من عاش الصحراء وعرف كيف تتبدل أنفاسها.

وحين يقول:

"ﻟﺨﺮﻳﻒ أﻃﺎﻑ ﻋﺎﺩ ﺍﺷﻬﺎﺏ"

فإنه يرسم صورة مذهلة لخمود قبس الخريف، كأن الموسم الذي كان مشتعلًا بالحياة والمرعى والحركة بدأ ضوءه يخفت شيئًا فشيئًا. إن الخريف هنا ليس مجرد فصل، بل كائن حي يشيخ أمام أعين الناس.

ثم تأتي "ياجوره" القادمة من الشرق، تلك الرياح التي يعرفها أهل البادية جيدًا، لا بوصفها حركة هواء فقط، بل بوصفها إعلانًا كونيًا بأن الزمن يتغير:
"ﻟﺨﺮﻳﻒ أ ﺣﺮﻛﺖ ﻳﺎﺟﻮﺭ".

إنها اللحظة التي تبدأ فيها الأرض بخلع دفء الخريف استعدادًا لبرودة الشتاء، فتتبدل طبائع الناس والدواب والمجالس وحتى رائحة الليل نفسها.

أما قوله:

"ﻭﻓﺮﻕ ﺑﺎﺱ ﺍﻟﺨﻴﻞ أﻝ ﻟﺮﻛﺎﺏ ﺍﻟﻤﻨﻬﻢ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻌﺬﻭﺭ"

فهو من أبدع ما في النص، لأن الشاعر هنا يلتقط تفصيلًا بدويًا شديد الدقة؛ إذ يشير إلى أن الخيل في أواخر الخريف تكون قد أنهكها الموسم الطويل، وأصابها الضعف والتعب حتى يصبح لها “عذر” حقيقي يمنع من إرهاقها بالركوب والسفر.

فهي مرحلة دقيقة من حياة البادية، يعرفها أهل الخيل جيدًا، حيث تكون الدواب في حالة إنهاك تجعل ركوبها نوعًا من المشقة والخطر عليها.

لكن أربان ينبه هنا إلى أن تلك المرحلة قد انتهت؛ فقد تبدل الفصل، واعتدل الجو، واستعادت الخيل قوتها وعافيتها، فأصبح الخطر الذي كان يحيط بركوبها قد زال. وكأن النص لا يصف الطبيعة وحدها، بل يصف عودة الحياة نفسها إلى حركتها الطبيعية بعد فترة من الوهن والتعب.

ثم يبلغ النص ذروة الجمال الحسي في قوله:


"ﻭﺍﺧﻠﻂ ﺑﺮﺩ ﺍﻟﻠﻴﻞ أ ﻟﻤﻈﻞ ﻭﺃﺭﻳﺎﺡ ﺍﻟﺴﻬﻮ ﻣﻬﺮﻭﺭ"

فهنا لا يصف أربان الطقس فقط، بل يصف شعور الإنسان داخل الطقس. فالليل لم يعد قاسيًا، والنهار لم يعد حارقًا، والنسيم صار معتدلًا منسابًا، حتى الرياح تبدو وكأنها تهب بهدوء الحكيم الذي تعب من الصخب.

ثم تأتي الصورة الأخيرة المدهشة:

"ﻭﺍﺧﻠﻂ ﺯﺍﺩ ﺇﻛﻠﻴﻮ أﻇﻞ ﺍﻟﺨﻴﻤﺔ ﻫﻲ وأمور"

وهنا يبلغ النص ذروة الحنين البدوي. فـ“إكليو” ذلك النسيم الرطب البارد، وامتداد ظل الخيمة مع شجرة “أمّور” التي لا تنبت إلا في الأودية، يخلقان معًا لوحة صحراوية آسرة، فيها السكون والطمأنينة وذاكرة المجالس القديمة ورائحة الشاي وأحاديث الليل الطويلة.

إن جمال هذا النص لا يكمن فقط في معانيه، بل في قدرته العجيبة على تحويل التحولات المناخية إلى مشاعر إنسانية كاملة. فأربان لا يصف الطبيعة من الخارج، بل يذوب فيها حتى تصبح الفصول جزءًا من وجدانه الشخصي.

ولذلك تشعر وأنت تقرأه أنك لا تطالع نصًا أدبيًا، بل تعيش موسمًا كاملًا بكل ما فيه من برد وريح وحنين وهدوء وترحال.

وهذه هي سمة الأدباء الكبار؛ أنهم لا يكتبون عن الأشياء كما يراها الناس، بل كما تشعر بها الأرواح. ولذلك ظل نص أربان ولد أعمر ولد محم حيًا في الذاكرة، لأنه لم يوثق مجرد فصل مناخي عابر، بل وثّق لحظة إنسانية كاملة من حياة البادية الموريتانية، بكل ما فيها من جمال خفي لا يدركه إلا من عاش الصحراء وعشقها.

بوكه باب ت‏21‏/05‏/2026.

 

الاثنين، 18 مايو 2026

أدي آدب: الثقافة: جَدَلُ العِلْم والجِسْم

الإنسانُ كائنٌ مُرَكَّبٌ - في بنْيَتِه العَمِيقة- منْ قبْضَةِ طِينٍ،ونفْحَةِ رُوحٍ،وكلُّ واحدةٍ مِنْهُما تَنْزَعُ به إلى أصْلِها، فحَيَاتُه كلُّها - منذ النشْأة الأولى- مَجَالٌ مِغْناطيسي يَتَرَدَّدُ فيه أبَدًا، مُتَجَاذَبًا بيْنَ رُوحٍ تَتَسَامَى بِهِ في مَعَاريجِها العُلْوية، وبَيْنَ طِينٍ يُخْلِدُ به إلى الأرْضِ.
وقد كانَ لِكُلِّ مِنْهُمَا غِذاؤُه الضَّرُوري، فالجَسَدُ الطِّينِي يَتَغَذَّى بالمَطْعُومَات، والرُّوحُ السمَاوِيةُ تَتَغَذَّى بالمَفْهُومَات، ومنْ هُنا كانَ التوازُنُ بيْنَ الجِسْم والعِلْم، هو قسْطاسُ الحَيَاةِ المُسْتقيم، وهيْمَنةُ الأرْواح على الأشْباح إفْراطٌ في التصَوُّف، وتَغَلُّبُ الجَسَد على الخَلَدِ تفْريطٌ في الإنْسانية لصالح الحَيَوَانِية.
وعلى ضوْء هذه الجَدَلِية الأزَلِية، كانَ التاريخُ الإنساني - على طُولِه- مُجَرَّدَ مَسْرَح تتصَارَعُ فيه القِيَمُ الرُّوحِية والقِيَمُ المَادِّية، وتتنَاوَبَانِ مَواقِعَ السِّيادَة والتَّبَعِيَّةِ، ففِي الفَتَرَات التي تكُونُ الغَلَبَةُ فِيهَا لِلْقِيمِ الرُّوحِية تَنْتَصِرُ"الكَلِمَةُ الطِّيِّبَة" الجميلة، و"تُؤْتِي أُكْلَها ضِعْفَيْن"، وفي فتْرَةِ هيْمَنَةِ القِيَمِ المَادِّية يكُونُ:" السَّيْفُ أصْدَقُ إنْبَاءً منَ الكُتُبِ"،وتَكُونُ الدَّرَاهِمُ :
"هِيَّ اللِّسانُ لِمَنْ أرادَ فَصَاحَةً"
وهَكَذَا صارت اليوْمَ سُوقُ العِلْمِ- في هذا الزَّمَنِ العجيب- بَائرَةً، لدَرَجَةِ أنَّ السِّجَالَ تحَوَّلَ من الجَدَلِ بيْنَ"العَقْل والنَّقْل" قدِيمًا، بدون ترْجيحٍ نِهَائِيٍّ، إلى سِجَالٍ جديد بين "العَقْل والرِّجْل"، حُسِمَ فيه النِّزَاعُ بتفْضيلِ الأقْدَامِ عَلَى الأفْهام، ورَجَحَانِ "الجِسْمِ- عُمومًا- عَلَى العِلْم"، حتى أضْحَتْ رَكَلاَتُ اللاعبين، وتَرَاقُصُ الفنَّانات- بضْعَ دقائقَ- فوْقَ المَسارح، تُكافَأُ بالمَلايين، وتُجْنَى مِنْها المليارات، في وقْتٍ يَمُوتُ فيه العُلَمَاءُ والأدَبَاءُ جُوعًا، ولا يَتَلَقَّوْنَ- مُقابلَ عُصَارَةِ أفْكارهم، ورَحِيق آدابِهم وأشْعارهم- إلا"دَرَاهِمَ مَعْدُودَة"، إنْ وُجِدَتْ أصْلا، لأنَّ الجَمِيعَ في إبْداعِهم من الزَّاهِدين، لا سِيما إذَا لمْ يَكُنْ مُصَنَّفًا في خانَةِ نَقِيقِ الضَّفادِعِ، منَ المُثقَّفِينَ والعُلَمَاء الذين يُؤّجِّرُونَ حَناجِرَهُمْ، تَزَلُّفًا وتَمَلُّقًا لهذا، أوتَنَقُّصًا لذلك.
وأمَامَ هَذا الاخْتِلال الرَّهِيب فِي بنْيَة مَنْظومة القِيَمِ، لمْ يَعُدْ المالُ والإعْلامُ مُسَخَّرِينَ إلاِّ لِخِدْمَةِ هَزِّ الخُصُور العَارية، إضَافَةً إلَى أنْوَاع الرِّياضاتِ الجَسَدِية الأخْرَى، ممَّا يَعْنِي أنَ ثقافَةَ الجَسَدِ أصْبَحَتْ - لِلْأسَف - مُهَيْمِنَةً عَلَى ثقافةِ الرُّوح، وهَذا ما يَسْتَدْعِي مَزيدًا من إعادة النظَر في السياسات الثقافية، حتَّى لا نَجِدَ البَنَاتِ والبَنِينَ، وحَتَّى الآبَاء، من الأجْيالِ القادِمَة- يَسْألونَ اللهَ مُتَضَرِّعِينَ أنْ يَهَبَهُمُ خُصُورًا وأقْدَامًا وعَضَلاتٍ .. ولا يَهَبَهُمْ عُقولا، ولا مَعارفَ، ولا أخْلاقا.. لأنَّها أصْبَحَتْ "لاتُسْمِنُ ولا تُغْنِي من جُوعٍ "،ولا تُشْبِعُ حِسًا ولا ذوقا، وهذا مآلٌ خَطيرٌ، يُهَدِّدُ الإنسانية في صَمِيم إنسانيتها، إذا لمْ يُتَدَارَكْ في القريب العاجل؛ حيث إنَّ التَّغَوُّلَ المادي المَشْهُودَ، والرِّدَّةَ إلي عِبادة العِجْلِ السَّامِرِيِّ،الذي أصَمَّ خُوارُه العالي الآذان، قدْ مَثَّلَ صَحْوَة للحَيَوَانية التي تَسْكُنُنا، على حِسَاب الإنسانية الحَقَّة، التي أخْرَسَ صَوْتَ ضَمِيرها الحَيِّ،صَلِيلُ الأصْفَر الرَّنَان، وخَشْخَشَةُ وَرَقِ البَنْكَنُوتِ،الذي أمْعَنَ أبْنَاءُ آدَمَ فِي الخَصْفِ عليْهِم منه، لِيُوَارُوا به سَوْءاتِهم، فلمْ يَزْدَادُوا إلاَّ تَعَرِّيًا أمَامَ الآخَرِينَ، وحَتَّى أمَامَ ذَوَاتِهم، الكَلِيلَةِ مَناظِيرُها المَغْشُوشَة.
وهكذا، فإنَّ العُلومَ والعقول والأرواح - في عالمِنا الإسلامي- لَنْ يُحْتاجَ إليْها أكْثَرَ منْ فَتْرَةٍ كهَذه، يَسُودُها السَّفَهُ والنَّزَقُ والجُنُونُ، ويَقُودُ الجَهْلُ سَفِينَتَها الجَانِحَة، في بَحْرٍ لُجِّيٍّ منَ الأحْداثْ المُتلاطِمَة، طَغَى فيه زَبَدُ المَاديات على الجَوْهَر الإنساني.

رسالة وعظٍ وإرشاد كتبها الشيخ أحمد البكاي الكنتي إلى الأمير عبد الله بن أحمد

هذه رسالة وعظٍ وإرشاد كتبها الشيخ أحمد البكاي الكنتي إلى الأمير عبد الله بن أحمد، وهي من الرسائل التي تمتزج فيها الحكمة الروحية بالنصح الأخلاقي والتذكير الديني.
وقد ظهرت فيها قوة الشيخ العلمية والوعظية، وحسن استحضاره للآيات والمعاني الإيمانية، مع أسلوب أدبي رفيع يجمع بين الترغيب والترهيب، والتسلية للمبتلى، والدعوة إلى التوبة والصبر والتوكل على الله تعالى.
وتكشف الرسالة عن منهج تربوي قائم على إصلاح النفوس، وربط البلاء بحكمة الله تعالى، وبيان أن المحن قد تكون تكفيرًا للذنوب أو تكريمًا لأهل القلوب، وأن العبد في جميع أحواله محتاج إلى الصبر والرجوع إلى الله تعالى.
كما يظهر في الرسالة حرص الشيخ على الإصلاح بين الأقارب والدعوة إلى العدل والرحمة، مع الصراحة في بيان الحق دون مداهنة أو محاباة.
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدِ ربِّه أحمدَ البكاي بنِ محمد بنِ المختار بنِ أحمد، بالسلام والإكرام، سلامِ أهل السلام، وإكرامِ أهل الإكرام.
إلى الأخ ابنِ الأخ الأميرِ عبدِ الله بنِ أحمد، وبعد:
فإنَّ مع العسر يُسرًا، وإنَّ الفرح بعد الشدة، وإنَّ النصر بعد الصبر، ومن يتقِ الله يجعلْ له مخرجًا، فاتقِ الله تعالى وتُبْ إليه، وأحسنْ إنَّ الله مع المحسنين.
واعلم أنَّ بلاء المؤمن على وجهين:
بلاءُ تكفيرٍ للذنوب، وبلاءُ تكريمٍ لأهل القلوب، والكلُّ في الحقيقة نافع، وللعبد رافع.
فإن كنتَ من أهل الأولى، فافزعْ إلى المتاب إلى ربِّ الأرباب، وأخلص نيتك إلى عدم العود، وابدأ واعزم على ألَّا تفعل إلا رشدًا، فإذا قَبِل منك التوابُ المتابَ، فُتحت لك الأبواب، وفُكَّت عنك السلاسل والأغلال، وصُرف عنك النكال والوبال، وغُلِب عنك النساء والرجال.
فإن أضيقَ المضايق على المسلم إذا دخل النار بذنبه، فإذا أراد الربُّ إخراجه من أيدي ملائكته الغلاظ الشداد، من بين الأطباق والأبواب، فإن الحكم له هنا، والحكم له هناك سواء بلا فرق، والملائكة والناس عُمَّاله في داريه لا داريهم، فثق به، وتوكَّل عليه، واستغفره، وتب إليه.
وإن كنتَ من أهل الثانية، فطوبى لك، طوبى لك، فقد لبث صديق النبيئين في السجن بضع سنين، وأشدُّ الناس ابتلاءً الرسلُ ثم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فقابل البلية بالصبر، والنعمة بالشكر، وإن شاء الله شيئًا كان، وإذا هون الصعب هان.
وقد كتبتُ كتابًا لابن أخيك فيك، بل فيك وفيه، بالتذكير والتنبيه، لا آلو فيه وعظًا وتذكيرًا وتعليمًا وإرشادًا، لا أريد بذلك رياءً ولا سمعةً ولا ظلمًا ولا فسادًا، ولم أُحابِه في الحق، بل بيَّنتُ بيانًا.
وكذلك أنت، فاتقِ الله في ابن أخيك، رحمك
الأمين العام لزاوية الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي
الشيخ عابدين سيدعمر

 

من تراث المخطوطات : إسلم بن السبتي

كتب الدكتور إسلم بن السبتي الباحث والمؤرخ والكاتب، والأستاذ بالمدرسة العليا للتعليم حفظه الله: تحت عنوان من تراث المخطوطات :
تراث الشيخ سيدي المختار الكنتي أنموذجًا:
كانت المقالات السابقة قد قدمت صورًا متفاوتة لما وقفتُ عليه من تراث هذه الأمة الشنقيطية، أو من غيرها مما ضنّت به المخطوطات في مكتباتنا، ولم تمتد إليه يد الباحثين، أو لم يحظ بالعناية الكافية. وكان هدفي أن أُطلع القارئ على ما وقفت عليه، وأن أتقاسم معه فوائد مطالعة ذلك التراث الثري؛ فكانت هذه المقالات القصيرة في حجمها، الكبيرة في معناها. فحيثما وجدت معلومة نادرة دوّنتها لأثبتها في موضعها.
وفي هذا المقال يجود تراث المخطوطات بأسماء مؤلفات العلامة الكبير الشيخ سيدي المختار الكنتي رحمه الله، بعدما وقفتُ عليها في إحدى مخطوطات مدينة تيشيت العامرة. وعلى الرغم من أنني أثبتُّها في كتابي: «معجم أسماء المؤلفات الموريتانية المخطوطة»، فإن هذه النسخة تضمنت إضافات تتعلق بذكر المجلدات وبعض الأوصاف التي أثبتها الناسخ، فرأيت أن أتحف بها عشاق التراث الكنتي الواسع النافع والطريف في آنٍ واحد.
وهذه جريدة المؤلفات كما وردت في المخطوطة، مع الإشارة إلى أنني لم أقف على اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، ولا موضع حفظ الأصل، إذ جاء فيها:
“منَّ الله على شيخنا سيدي المختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي، ثم الوافي، بأن أعانه على تواليفه الكاملة الحافلة، ومنها:
تفسير البسملة، في نحو كراسة.
وتفسير الفاتحة، في جزء أتى فيه بالعجب العجاب، وكان يمكث سبعة أيام أو أكثر يكتب على آية واحدة.
وبلوغ الوسع على الآيات التسع، في جزء، وهي تسع آيات سأله عنها بعض علماء السودان امتحانًا له، فأجاب عنها بأحسن جواب.
ونضار الذهب في كل فن منتخب، في ثلاثة أجزاء.
والشموس المحمدية في التوحيد.
ونزهة الراوي وبغية الحاوي، في جزأين، وهو في غاية النبل والحسن، وسمعته يقول: إنه لم يُسبق بمثله.
والبُرد الموشى في قطع الرشى، في جزأين.
والأجوبة المهمة لمن له بأمر الدين همة.
والجرعة الصافية والنفحة الكافية، وهي بديعة المنوال.
وشرح المقصور والممدود لابن مالك، في جزء.
وزوال الإلباس في طرد الشيطان الخناس.
ورسالة في التصوف، في جزء.
ومختصر في الفقه سماه: هداية الطلاب، وشرحه في أربعة أجزاء ضخمة جدًا، بحيث لو وُسِّط لأتى في سبعة أجزاء ونحوها، وسماه: فتح الوهاب على هداية الطلاب.
ونصيحة المنصف المبصر المتعطف، في نحو خمسة كراريس.
ويتيمة اللآلئ في إفحام تنيال.
وشرح قصيدته التي مطلعها:
شغف الفؤاد بحب ذات الواحد
والسر أنبأ عن مقر جاحد
ونفح الطيب في الصلاة على النبي الحبيب.
وجذوة الأنوار، وهو في الذب عن الأولياء.
وألفية في العربية.
وكشف اللبس فيما بين الروح والنفس.
والممزوج، وهو تأليف جمع فيه بين الحقيقة والشريعة.
وشعره كثير جدًا في جميع أنواع الشعر، يجمع منه مجلد، وكذلك أحزابه وأدعيته ووصاياه ورسائله إلى أصحابه، لا تقصر عن مجلد.
والحمد لله رب العالمين.”
وتجدر الإشارة إلى أن التراث الكنتي يحتاج إلى جمع وتمحيص ودراسة من طرف الباحثين، فهو مادة ثرية للدراسات الفكرية والعلمية والتاريخية، كما يجسد صورةً للمجتمعات التي سكنت فيها المجموعة الكنتية في عدة بلدان، وهو بذلك يمثل ذاكرة ثقافية موحدة لها.
ومن هنا تبرز أهمية العناية بهذا التراث، تحقيقًا ودراسةً ونشرًا، لما يحمله من قيم العلم والإصلاح، وما يبثه من ثقافة السلم والصلح والصلاح.
الأمين العام لزاوية الشيخ سيدي محمد الخليفة بن سيدي المختار الكنتي
الشيخ عابدين سيدعمر

الخميس، 14 مايو 2026

تنقيب في مناجم النصوص 4

النص: 4
نكرَ تشباشي يالمجيـــــــــــدْ
راح اخلاگي من فگد اجديدْ
شوفْ ابرگ يخفَك تل ابعيد
بتْ ألا نرعاه ابلبصــــــــارْ
وانميزن فوگ آش من ابليدْ
وانَ گاعدلُ فوگ ازبـــــارْ
الوگْحَ من گد أم اغريــــــد
لين اغرشت انُّ فوگ اديارْ
العين ؤلگصر وانواشيــــدْ
وَگلّابْ ؤُ تمْرَ وانفــــــــارْ
وإدور افذاك من افريعات
لمسايل يتگرن لخظــــــارْ
مزال. ايگص ألا وطيات
اتزرگيگ المَ من لحجــارْ.
حين يقرأ المرء هذا النص لـ ولد الكصري يشعر أنه لا يقف أمام أديب يصف برقًا عابرًا، وإنما أمام رجلٍ سافرت روحه كلّها نحو الشرق(تل)، تاركا جسده فوق صخرةٍ عالية (أزبار) في تكانت، ومضى قلبه يركض خلف ومضة بعيدة في السماء.
هذا النص لا يُفهم جيدًا إلا إذا تذكّرنا أن قائله رجل من أبناء ولاية تكانت، من أولئك الذين يعرفون الأرض كما يعرف الإنسان كفّه، ويحفظون أسماء الشعاب والمرتفعات والقيعان كما تُحفَظ أسماء الأبناء. وصاحب الطلعة الشهيرة:
“حدّ أصيل افتكانت شام”
لا يمكن أن يكون تعلّقه بالأمكنة تعلّق عابر سبيل، بل تعلّق رجل يرى في تكانت وطن الروح، لا مجرد مسقط رأس.
منذ البداية يبدو الحنين في النص كائنًا باغت الشاعر على حين غفلة:
نكرَ تشباشي يالمجيدْ
وكأن الشوق كان جمرةً مطمورة تحت الرماد، ثم هبّت عليها نسمة برق فعادت تتّقد دفعةً واحدة. كلمة “نكر” وحدها تكفي لتفتح مشهدًا كاملًا: شيء ظُنّ أنه مات، فإذا به يعود حيًا أكثر مما كان. وهذا بالضبط ما فعله البرق بقلب الأديب؛ أعاد إليه أمكنةً وأزمنةً وأصواتًا كانت نائمة في داخله.
ولأن أهل الصحراء لا يفصلون بين المطر والحياة، صار البرق عنده أشبه ببشارة سماوية. لذلك ظل طوال الليل يحدّق فيه ويرقبه.
بتْ ألا نرعاه ابلبصارْ
يا لها من صورة: رجل يسهر مع ومضة بعيدة كما يسهر العاشق مع نافذة هناك...
لا يريد أن تضيع منه لحظة الضوء، لأن تلك اللمعة الصغيرة قد تعني أن أرضه هناك ستتنفس بعد اختناق طويل.
ثم يبدأ في تخمين موضع المطر، فيقف فوق المرتفع، يزن الجهات، ويتتبع خطّ البرق في السماء. وهذه من أصدق صور البدوي الحقيقي؛ فالرجل الذي عاش الصحراء لا يرى المطر حدثًا جماليًا فقط، بل يقرأ فيه مصير المراعي، وحياة الماشية، وطمأنينة الناس.
لكن الأجمل من كل ذلك هو لحظة ذكر الأمكنة:
العين ؤلگصر وانواشيدْ
وَگلّابْ ؤُ تمْرَ وانفارْ
هنا يتحول النص إلى نشيد حنين خالص.
إنه لا يعدد مواضع جغرافية، بل يمرّ على قلبه موضعًا موضعًا. كل اسم في هذه القطعة يحمل وراءه ظل خيمة، ورائحة مطر، وآثار قوم رحلوا، وليلًا قديمًا جلس فيه الأديب قرب نارٍ تتراقص في الريح.
وحين يتخيل المياه وهي تنساب عبر “أفريعات” والمسالك الصغيرة بين المرتفعات، تشعر أن الأرض كلها بدأت تتحرك:
لمسايل يتگرن لخظارْ
الخضرة هنا ليست لونًا… إنها فرح الأرض.
وكأن اليابسة التي أحرقتها الشمس شهورًا طويلة بدأت أخيرًا تستعيد عافيتها، وتمدّ يدها نحو الماء في لهفة.
أما الصورة الأخيرة:
اتزرگيگ المَ من لحجارْ
ففيها عبقرية البدوي الذي يرى الطبيعة حيّة بالكامل. الماء عنده ليس سائلًا صامتًا، بل كائنا يشق طريقه متعبًا بين الحجارة، والخضرة تركض خلفه أينما مرّ، كأن الحياة كلها كانت تنتظره.
ولعل سرّ جمال النص أنه لا يتحدث عن المطر وحده، بل عن الإنسان حين يعود إليه وطنه فجأة في ومضة برق. فالبرق هنا لم يُضئ السماء فقط، لكنه أضاء ذاكرة رجلٍ تكدّست داخلها تكانت بكل شعابها وقيعانها وأسمائها القديمة، فعاد قلبه يخفق كما لو أنه رأى أهله بعد غياب طويل.
بوكه باب ‏14‏/05‏/2026م


 

الثلاثاء، 12 مايو 2026

شهرُ عسلٍ على ظهر العيس(2)

وحين أخذ الزوج بخطام راحلته قبيل الفجر، وخطا أولى خطواته نحو حلمٍ انتظره طويلًا، لم يكن يقود راحلة فقط، بل كان يقود عمرًا جديدًا بأكمله. كانت الرمال ما تزال تحتفظ ببقايا الليل، والنجوم تنسحب ببطءٍ كأنها تفسح الطريق لذلك الحلم البدوي النبيل: رجلٌ يمضي بزوجته إلى عالمه الجديد، وامرأةٌ تترك وراءها طفولة أهلها لتدخل بهدوءٍ مملكةً أخرى اسمها “الأسرة”.
وحين يصلان مضارب أهل الزوج، لا يكون الاستقبال صاخبًا كما في المدن، بل مغمورًا بالحياء والرمزية. تستقبلهما إحدى أخوات الزوج، بينما يختفي الابن نفسه، أو يذهب إلى خيمة أسرة أخرى، حياءً من أبيه ومن رهبة اللحظة.
فالأب هنا لا يستقبل زوجة ابنه كغريبة، بل كواحدةٍ من بناته… بل ربما أقرب منزلةً منهن؛ لأنها ستكون في قابل الأيام أكثر الناس عناية به، وأشدهم التصاقًا بحاجاته، وأي تقصيرٍ منها تجاهه سيبقى وصمةً تتأذى بها أسرتها كلها.
في تلك الليلة الأولى، يكون قد أعدّ لهما مكانًا صغيرًا للمبيت، عالمًا خفيًا خارج صخب الحيّ، يسمّى “البنية”. والبنية ليست خيمةً كاملة، بل قماش أبيض يلتفّ حول أغصانٍ جرى تطويعها مع الزمن حتى انحنت أطرافها كالأقواس، وتُعرف تلك الأغصان بـ “إنايلن”، ومفردها “أنال”. داخل ذلك البياض الصغير يقبع سريرٌ تقليدي يسمّى في بعض الجهات “الخبطة”، بسيط الشكل، لكنه يومها كان عرشًا حقيقيًا لعاشقين خرجا للتو من عالم التقاليد الثقيلة إلى مساحةٍ ضيقة من الحرية.
غير أن الوصول إلى “البنية” لم يكن أمرًا هيّنًا. فالزوجة لا يمكن أن تُرى وهي تتجه إليها، خصوصًا من طرف أبي الزوج أو أمه، التي تُعرف في الحسانية بـ “الحميّة” والحمية: أعتقد أنها أتت من الحماية وكأن الثقافة العامة تخبرنا أن أم الزوج وكذلك اب الزوج يكونان ملاذا وحماية لزوجة ابنهما من كل المضايقات المحتملة سواء داخل الأسرة وخارجها بل وحتى من أبنهما الذي هو زوجها.
لذلك تنتظر حتى ينام الجميع، ثم تخرج برفقة إحدى أخوات الزوج، لا تسلكان الطريق المؤدي إلى البنية مباشرة، بل تنحرفان نحو جهة أخرى، خوفًا من أن يرصدهما أحد، ثم تعودان من مسارٍ مختلف حتى تصلا إلى ذلك العالم الأبيض الصغير. هناك تبقى الزوجة، بينما تعود الأخت وحدها، وكأن شيئًا لم يكن.
وقبل أن يبزغ الفجر، يجب أن تعود الزوجة خلسةً إلى خيمة أهل زوجها، وتستلقي في مكانها متظاهرةً أنها لم تغادره قط. كان الحب يومها يُعاش وكأنه سرّ مقدّس، لا يحقّ للعلن أن يراه كاملًا.
أما الحديث داخل “البنية”، فكان أشبه بعالمٍ مسروق… لكنه سرقةٌ مباحة.
تبدأ الزوجة في إعداد الشاي، غير أنها تحاول إسكات الكؤوس وهي تصطدم ببعضها، وتكتم صوت “صاك السكر” حين تكسره، كما تحاول إخفاء وهج “الفرنة” حتى لا يفضحه الضوء. والزوج يتحدث بصوتٍ خافت، نصفه كلام ونصفه رجفة قلب.
وفي الخارج، كان الليل البدوي يعرف طقوسه الأخرى؛ إذ يتسلل بعض الشباب في ما يُعرف بـ “لبروك”، يتفقون على التجسس على “البنية”، يلتقطون من خلف الظلام بعض الهمسات أو الضحكات أو تفاصيل تلك الليلة الأولى. وكان ذلك يجعل الزوجين، وخاصة الزوجة، أكثر حذرًا؛ فهي تشعر أنها تعيش وسط مجتمع لا يفتّش إلا عن مثالبها، ولا يغفر لها زلّةً صغيرة.
ثم تمضي الأشهر، وتبدأ ملامح الحمل تظهر على الزوجة، فيصبح لزامًا عليها أن تعود إلى أهلها، لأن وضعها عند غير أهلها في تلك المرحلة كان يُعدّ حرجًا لا يُستحب. تعود إلى خيمتها الأولى، لكنّها لا تعود كما ذهبت؛ تعود وفي داخلها حياةٌ جديدة.
ويستقبلها أهلها بفرحٍ يشبه نشوة الانتصار. ليس لأنها رجعت فقط، بل لأنها تحمل لهم امتدادًا جديدًا، طفلًا سيملأ بعض الفراغ الذي تركته هي يوم غادرتهم عروسًا. وكأن الأمومة يومها لم تكن حدثًا شخصيًا، بل عيدًا قبليًا صغيرًا تستعيد به الأسرة شيئًا من ابنتها التي أخذها الزواج.
وبعد أشهر من الوضع، يحين موعد العودة إلى أهل الزوج، فتبدأ احتفالاتٌ جديدة تشبه بداية الزواج.
لكن هذه المرة تصطفّ صديقاتها لمنعها من الرحيل، بينما يتدخل أصدقاؤه لأخذها. تمتزج الضحكات بالعراك الخفيف، وأحيانًا تقع إصابات حقيقية، وأحيانًا تُدفع فدية معتبرة كي يسمحوا له بالذهاب بها. كانت تلك الطقوس مزيجًا غريبًا من اللعب والغيرة والمحبة الجماعية.
وعندما تعود أخيرًا إلى مضارب زوجها، لا تعود إلى “البنية”، فقد انتهى زمن الخيمة البيضاء الصغيرة. هذه المرة تكون هناك خيمة خاصة بهما، جرى إعدادها قبل عودتها، وتسمّى “أفلان أعزل”؛ أي إنه استقلّ عن خيمة والديه، وإن ظل قريبًا منهما.
وهنا فقط تبدأ الحياة بمعناها الكامل.
لا كحلمٍ عابر على ظهر جمل، ولا كهمساتٍ مرتجفة داخل “بنية”، بل كأسرةٍ صغيرة تواجه الحياة معًا، بخبزها، وأطفالها، وأفراحها البسيطة، وأتراحها الخفية.
وهكذا كانت دورة حياة الأسرة القديمة…
بطيئة، متعبة أحيانًا، لكنها ممتلئة بالمعنى، وبالحياء، وبالعلاقات التي كانت تُنسج بخيوط القلب لا بضجيج الحياة الحديثة.
بوكه باب 12 - 05 - 2026م

المعارضة الموريتانية: من صخب المواجهة إلى ارتباك التموضع


شهدت الساحة السياسية في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة مست بنية المعارضة وأسلوب اشتغالها وحضورها الجماهيري، حتى بات المتابع يلحظ بوضوح حجم الفارق بين معارضة الأمس ومعارضة اليوم.
فالمعارضة التي كانت في مراحل سابقة رقماً صعباً في المعادلة السياسية، وصوتاً مرتفعاً في الشارع، تعيش اليوم حالة من الخفوت والارتباك والتشظي، جعلت تأثيرها أضعف، ورسالتها أقل وضوحاً، وحضورها الجماهيري أكثر هشاشة.
في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز كانت الحياة السياسية تقوم إلى حد كبير على حالة استقطاب حاد؛ إذ لم تكن هناك منطقة رمادية واسعة بين الموالاة والمعارضة.
كان الاصطفاف واضحاً، وكانت الأحزاب المعارضة تجد نفسها مضطرة إلى إثبات وجودها بصورة مستقلة ومباشرة من خلال المواجهة السياسية اليومية مع النظام. ولهذا كانت كل جهة سياسية تحاول أن تصنع حضورها بنفسها: تنظّم المهرجانات، وتحشد الأنصار، وتقود الاحتجاجات، وتواجه السلطة في الملفات الكبرى والصغرى دون الاتكاء الدائم على غيرها.
وقد منح ذلك الواقع المعارضة حينها قدراً كبيراً من الحيوية، حتى وإن شابها التنازع أحياناً.
كان الشارع يعرف صوتها، وكانت قدرتها على التعبئة واضحة، وكانت المظاهرات والبيانات والتنديدات جزءاً ثابتاً من المشهد السياسي، لأن كل حزب كان يشعر أن بقاءه السياسي مرتبط بقدرته على الحضور والمواجهة والتأثير.
أما اليوم، فقد تبدّل المشهد بصورة لافتة. خبتت الأصوات، ومالت بعض القوى المعارضة إلى التهدئة أو المهادنة، بينما دخلت أخرى في حالات تفكك أو إنهاك تنظيمي وسياسي.
كما ظهرت قوى وشخصيات جديدة تحاول الاستفادة من الفراغ القائم لإثبات حضورها، في حين تسعى وجوه قديمة إلى إعادة تموضعها من تحت جناح النظام أو بالقرب منه، بعد أن كانت في واجهة الخطاب المعارض.
هذه التحولات أوجدت حالة سياسية معقدة؛ فالمعارضة الحالية تبدو في كثير من الأحيان واقعة بين ضغطين متناقضين:
ضغط القرب من النظام وما يخلقه من حرج سياسي، وضغط قواعدها وأنصارها الذين لا يريدون معارضة هجينة، لا هي معارضة كاملة الوضوح، ولا هي موالاة صريحة.
ولهذا أصبح واضحاً أن كثيراً من الأحزاب المعارضة لم تعد تملك الجرأة أو القدرة على خوض معارك ميدانية منفردة كما في السابق. تراجعت المهرجانات، وقلّ الزخم الجماهيري، وضعفت لغة التصعيد، لأن حالة الإنهاك السياسي والتنظيمي باتت أكثر حضوراً من روح المواجهة.
ومن هنا يمكن فهم لجوء المعارضة في الفترة الأخيرة إلى محاولة الحشد تحت عنوان عام هو “المعارضة الموحدة”.
غير أن هذا الشعار، رغم بريقه الظاهري، لا يعكس دائماً حقيقة الواقع السياسي القائم. فالوحدة الحقيقية لا تقوم على مجرد جمع الأحزاب داخل مهرجان أو منصة واحدة، بل تقوم على اندماج الرؤية والهدف والخطاب والبرنامج السياسي. وهذا ما يبدو غائباً إلى حد بعيد.
فالذي يحدث عملياً أن كل حزب ينشغل داخل ذلك الحشد الجماعي بمحاولة إظهار نفسه وتسويق خطابه وحماية مساحته الخاصة، وكأن الجميع يتحركون في إطار واحد شكلاً، لكن بعقول واتجاهات وحسابات مختلفة مضموناً. وبهذا يتحول الحشد أحياناً إلى مجرد تجاور سياسي لا إلى وحدة سياسية حقيقية.
كما أن خوف بعض الأحزاب من الظهور منفردة بحضور جماهيري ضعيف أمام الحشود الكبيرة التي يستطيع النظام تعبئتها في المناسبات المختلفة، دفعها أكثر نحو الاحتماء بفكرة “المعارضة الجامعة”، حتى وإن كانت تلك الوحدة هشة وغير مكتملة البناء.
والمحصلة أن الرسالة السياسية نفسها أصبحت تعاني من الضبابية. فحين تغيب الحدود الواضحة بين المهادنة والمعارضة، وحين لا يشعر الشارع بوجود خطاب موحد أو مشروع متماسك، تتراجع الثقة تدريجياً، ويفقد العمل المعارض جزءاً كبيراً من تأثيره المعنوي والجماهيري.
إن الأزمة التي تعيشها المعارضة اليوم ليست أزمة عدد أو شعارات فقط، بل هي - في جوهرها - أزمة تعريف للدور والهوية والغاية. فالمعارضة لا تستعيد حضورها بكثرة البيانات، ولا بمجرد الحشود المشتركة، وإنما تستعيده حين تكون قادرة على تقديم نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً واضحاً، يمتلك الجرأة على الموقف، والقدرة على التنظيم، والانسجام الداخلي، والثقة في الشارع.
أما إذا ظل الواقع قائماً على تحالفات مرتبكة، وخطابات مترددة، ومحاولات دائمة للجمع بين القرب من السلطة والاحتفاظ بلقب المعارضة، فإن حالة التآكل ستستمر، وسيبقى المشهد السياسي مفتوحاً أمام مزيد من التفكك وإعادة التشكل، في انتظار لحظة تعيد فرز الأوراق من جديد.
بوكه باب 11 - 05 - 2026

الاثنين، 11 مايو 2026

أدي آدب: رحلة بحثي عني

راحـلٌ.. في الوجُــود.. أبحثُ عنِّي يـا أنـا.. هلْ أنا.. أنا؟ أمْ كأنِّي؟
كلما.. في مِـرآة فـنِّي.. تجـلّــى ظلُّ غيْــري.. كسرْتُ مِـرْآة فنِّـي
ونشـيدي المبْحُـوح.. إن ْرنَّ فيهِ لحْنُ غيْري الجميلُ.. أنْكَرْتُ رَنِّي
مـا أنــا بَبَّـغا.. ولسْتُ قِنــــــاعا يا أنا.. لسْتُ مِنْكَ ..إنْ لمْ تَكُـنِّي
فتنكَّـبْ مَحَـجَّــةَ الدَّرْبِ.. وارْتَـدْ دَرْبْكَ البِكْـرَ.. دُونَ إنْسِ.. وجِنِّ
مُنْتَــهَى غيْرِكَ ابْتِــــــدَاؤُك، فاعبرْ في المَجازاتِ، خلْفَ حَدِّ التمَنّي
لا تقلْ: قد وصلتُ،سقْفُ طموحي: -دون سقْفٍ-: أنّي.. وأنّي.. وأنِّي
ضعْ- بسِفْرِ الخُلودِ-"بصْمَةَ رُوحي" وتَأوَّلْ.. "تأويــلَ رُؤْيايَ".. عنِّي
قد تأبَّطْتُ.. بيْن حــــاءٍ.. وبـــــاءٍ عشْقَ عيْنِ المعْنى، وغيْنِ المُغَنِّي
سْطْحُ بحْرِي رَهْوٌ، وفي العْمْقِ موْجٌ صخَبٌ صامتٌ، جُـنُونُ التأنِّي
بسْمة في الدمــــوع غرْقَى.. كأنِّي رقّة الخمْر.. في صــــلَابة دّنِّ
من أنا؟ إنني التـــواضعُ.. يمْـشـي شـامخا.. للطُّغـاة يــأبَى التدَنِّي
لا أغَــنِّي لـ "سَيْفِ دوْلةِ" عَصْرٍ لأمـــــيرِ الضمـــــيرِ.. فيَّ.. أُغَنِّي
أنَا حِسٌّ.. يَمْــشِـــي.. على قَدَمَيْهِ مـــارِدٌ.. للجَمَــالِ يَسْجُدُ.. جِنّي
كلُّ قبْحٍ يؤذِي نضـــــارة رُوحِي بِمَرَائِي الجَمَــــــالِ.. يَا رَبّ.. زِنِّي
أنا نايُ الأرواح.. أعزفُ شِعْري من صَــــدى أيّـــــما غِنَـاءٍ.. وأَنّ
نبْض قلْبي نبْضُ الوُجودِ.. وإيقا عُ المَجَرَّاتِ لَحْنُ صَمْـتي المُرِنِّ
يا أنا.. هل عرفتَ منْ أنا؟.. إنِّي خَبَرُ اسْــمِي يطــولُ: إني.. وإني
أدي ولد آدب

تكانت: بين تكامل الجهود ووعي المسؤولية

ليست ولاية تكانت مجرد ولايةٍ عابرة في جغرافيا الوطن، بل هي ذاكرة مجدٍ ممتدة، وأرضٌ حملت عبر تاريخها معاني الصبر والشموخ والعلم والمقاومة.
هي قلعةُ المجد التي حفظت لنفسها هيبتها، وموطنُ رجالٍ ونساءٍ ظلوا، رغم قسوة الظروف، قادرين على صناعة الأمل والانتماء. ولهذا فإن أي حديثٍ عن حاضر هذه الولاية ومستقبلها لا ينبغي أن يكون حديثًا عن مناطق متفرقة، بل عن جسدٍ واحد وروحٍ واحدة ومصيرٍ مشترك.
وفي السنوات الأخيرة ظهرت صفحات ومواقع ومنابر توعوية وإخبارية تستحق الإشادة؛ لأنها حاولت أن تفتح نوافذ للنقاش، وتنقل هموم المجتمع، وتساهم في نشر الوعي ومتابعة قضايا التنمية.
وهذا جهدٌ محمود في أصله، لكنه يحتاج دائمًا إلى قدرٍ أكبر من الوعي بطبيعة التأثير الذي تصنعه الكلمة اليوم.
فالذي يُكتب عن تكانت لم يعد محصورًا داخل حدود الولاية، بل صار يقرؤه ابن الولاية في غربته، ويطالعُه أهل الولايات الأخرى، وربما يصل إلى أبعد من ذلك.
ومن هنا تصبح مسؤولية هذه الصفحات والمؤثرين والكتّاب مسؤولية مضاعفة، لأنهم لا ينقلون خبرًا فحسب، بل يصنعون صورةً كاملة عن مجتمعهم.
ولهذا من الضروري أن تُبذل جهود أكبر في تمحيص الخطاب الإعلامي والتوعوي، حتى تبقى صورة الولاية منسجمة قدر الإمكان، بعيدة عن التشتت الذي قد يظهر أحيانًا عند معالجة حدثٍ واحد بصور متناقضة تمامًا بين صفحة وأخرى. فحين يطغى التحيز أو التشنج، تتضرر المعلومة الأصلية، ويخرج المتلقي الخارجي بصورةٍ مرتبكة عن مجتمعٍ هو في حقيقته أكثر تماسكًا ونبلًا.
إن جهود أهلنا في المجرية - مثلا - تجاه تنمية مدينتهم هي مكسبٌ وفخرٌ لتكانت كلها، كما أن جهود أهل تامورت انعاج، وأهل اكفان، وإنيملان، والقدية، وتكننت، وأودي أمجبور، وتجكجة، ولحويطات، والرشيد، وتيشيت، ولتفتار، واشرم ودار السلام والمشرع وبراكه وآكنيكر وانتاكش ووراب وتنيسر وانوجهنه وانودر وانتتام ولمكيطع وبيلنيار وتنيله ولمريفك وواد الخير والقيروان وفو ...… كلها جهود ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها نجاحاتٍ مشتركة لا انتصاراتٍ محلية ضيقة.
فكل منطقة في هذه الولاية تحمل جزءًا من روحها، وكل تطور فيها ينعكس - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة - على صورة تكانت كلها.
ومن المهم كذلك أن يترسخ في الوعي الجمعي أن مطالب كل منطقة يجب أن تبقى موجهة إلى الدولة باعتبارها الجهة المسؤولة عن التنمية والخدمات، لا أن تتحول إلى مادة حساسية بين مناطق الولاية نفسها. فإذا استفادت مدينة من مشروع، أو نالت منطقة خدمة معينة، فلا ينبغي أن يُفهم ذلك وكأنه انتقاصٌ من غيرها. لأن هذا المنطق يزرع الفرقة، ويحوّل التنمية من حقٍّ جماعي إلى سببٍ للخصومة.
والواقع أن موارد الدولة تبقى - في كثير من الأحيان - محدودة، وقد لا تستطيع تلبية جميع المطالب دفعة واحدة. وهنا يجب أن يكون التنافس في صورته الصحيحة: تنافسًا بين ساسة وممثلي كل منطقة في قدرتهم على الإقناع والمتابعة وجلب المنافع ودرء المفاسد، لا تنافسًا بين المجتمعات نفسها.
فالنجاح أو الإخفاق في إيصال المطالب وتحقيق المكاسب مسؤولية يتحملها الساسة والمنتخبون وأصحاب التأثير، لأنهم هم من اختارهم الناس لتمثيلهم، أما المجتمع فلا ينبغي أن يتحول إلى خصمٍ لأخيه بسبب مشروع هنا أو خدمة هناك.
إن العتب لا ينبغي أن يُوجَّه إلى منطقة استفادت، بل إلى التقصير حيث وُجد، وإلى ضعف الأداء السياسي إن حصل. أما تحويل التنمية إلى معارك جانبية بين أبناء الولاية الواحدة، فذلك يستهلك الطاقات ويضعف اللحمة الاجتماعية، ويجعل الجميع يخسر في النهاية.
ولهذا فإن المهمة الكبرى اليوم تقع على عاتق الصفحات التوعوية، والكتّاب، والمؤثرين، والعقلاء، وكل من يملك كلمةً مسموعة: أن يدفعوا المجتمع نحو التنافس الإيجابي بدل الصراع، وأن يُرسخوا ثقافة التعاون بدل الشكوك، وأن يجعلوا من الاختلاف مساحة إثراء لا مساحة انقسام.
إن ولاية تكانت رفعت رؤوس أبنائها طويلًا، ومنحتهم هويةً وذاكرةً ومكانةً يعتزون بها، ولذلك تستحق عليهم جميعًا أن يُحسنوا الدفاع عن صورتها ووحدتها ومصالحها. فالأوطان الصغيرة أيضًا تتعب من الضجيج، وتحتاج أحيانًا إلى قليلٍ من الحكمة حتى يبقى جمالها واضحًا، وحتى تتحول طاقات أبنائها من الاستنزاف الداخلي إلى البناء الحقيقي.
وحين نصل إلى هذه المرحلة، سنكتشف أن أقوى ما يمكن أن تمتلكه تكانت ليس كثرة الشعارات، بل وعي أبنائها بأنهم - مهما اختلفت قراهم ومدنهم - ينتمون إلى بيتٍ واحد، وأن نهضة أي جزء منه هي في النهاية نهضةٌ للجميع.
بوكه باب الأحد 10 مايو 2026م

 

الجمعة، 8 مايو 2026

تنقيب في مناجم النصوص 03

 

إبراهيم ولد إبراهيم: حين تتوحد الأرض والذاكرة

كلب اغشكوكيت امخـــلِِّ
في حزم كامـــــل دخـــلِ
واكليب اكـــاطن يغفــرلٍِ
ذاك وابعيد من النسخــه
واراع ذوك الكـــــــــلب الٍّ
فوق الكــــلاب بفسخــــه
هو سبت حـــزم لعظيـــم
حزم في مـــــــافــات ارخ
ظلت زبيرت حزم الريـــم
من شوف في منفسخـــه

في هذا النص، يتعامل إبراهيم ولد إبراهيم مع جبال أغشكوكيت وإكاطن كأنها كائنات حية، لا مجرد تضاريس. هو يضع "حزمه" (ذكرياته وشجنه) داخل هذه الجبال، لتصبح هي الحارس الأمين لتاريخه العاطفي. وحين ينفي "النسخة" عن هذه الأمكنة، فإنه يؤكد على ثبات مروءته وصدق وفائه؛ فالمكان الذي شهد لحظات الصفاء لا يمكن أن يبهت أو يمل منه المحب.
أما تلك "الفسخة" (الصلعة البيضاء في رأس الجبل)، فقد تحولت في عين الأديب من مجرد لون رمال إلى نقطة تحول وجدانية. لقد اختصر بكلمة "منفسخة" حالة إنسانية بالغة التعقيد؛ فهي تعني ذوبان الصبر، وانحلال العزيمة أمام سطوة الحنين، وتسليم الزمام للقدر.
كأنه يقول: "أمام هذا الجبل، لم أعد أملك من أمري شيئاً؛ لقد انفسخ كل وقاري وتلاشى صبري في ذكرى الريم".
الربط هنا بين "الكلب" (الجبل) و"القلب" هو جوهر القصيدة. فالأديب يختار أصلب ما في الطبيعة (الجبل) ليودعه أرقّ ما في النفس (الغزل العفيف). هذا المزيج يعكس نبلاً كبيراً؛ فالبكاء على الأطلال هنا ليس مجرد "طلل" مهجور، بل هو إعلان صريح عن الارتباط بالوطن. فالإنسان الذي يرى في جبال بلاده مرايا لحبه وذكرياته، هو إنسان استقر حب الأرض في سويداء قلبه، فصار الوفاء للريم والوفاء للموضع (أغشكوكيت وإكاطن) شيئاً واحداً لا يتجزأ.
إنه نص يقطر صدقاً، ويحول الجغرافيا إلى سيرة ذاتية مكتوبة بالدموع والحنين، ويؤكد أن حب الأرض هو المدخل الأول لحب الإنسان وتقدير الجمال.
بوكه باب ‏08‏/05‏/2026.