الخميس، 4 يونيو 2026

تنقيب في مناجم النصوص:النص07

ماني تاهم كنت أن "ألاگ    " فيه أمن التعلاك ألخلاك

كدلي جبرت يالخـــــــلاك     يامس عند "ألاك" اخلاكي.

والا لو لالي خوف اعلاك     يبك فالناس أمن اتفـــاكي.

نتأنّ فالاك أمن امـــــرين      أمر الوجد ألفي بـــــاكي

وامر أملي لوجه لحســين      ألي يخلاكي تشتــــــاكي

وانتم الا ف "ألاك" إلين      نلك فـ "ألاك" ألل لاكـــي

 

في هذه الطلعة الرفيعة والكاف للأديب الكبير محمد ولد ببكر أمبارك تتجلى قدرة لغن الحساني على حمل العاطفة العميقة بألفاظ مقتصدة وإشارات موحية، دون حاجة إلى التصريح المباشر أو الإسهاب. فالطلعة هنا لا تقوم على الزينة اللفظية وحدها، وإنما على صدق الوجد ودقة التقاط اللحظة النفسية التي غيّرت مجرى شعور الأديب تجاه مدينة كاملة.

يبدأ الأديب بدهشة صادقة:

ماني تاهم كنت أن ألاگ

فيه أمن التعلاك الخـلاك

فـ "ألاك" لم تعد مجرد مدينة عابرة، بل صارت مكاناً ارتبط بصدمة وجدانية غير متوقعة. لم يكن يظن أن في هذه المدينة ما يوقظ داخله ذلك "التعلاك الخلاك"، أي ذلك الوجد الذي يخلخل توازن النفس ويقلب سكونها قلقاً وانتظاراً. ومن جمال العبارة أن المدينة نفسها تبدو كأنها تحمل سرّ هذا التعلق، لا مجرد الشخص الذي رآه فيها.

ثم يقول:

كدلي جبرت يالخلاك

وهنا ترتفع الطلعة من وصف الشعور إلى الإقرار بالموجد الخلاق سبحانه، وكأن الأديب يعترف بأن ما أصابه من تعلق ليس مجرد اختيار بشري خالص، بل شيء ساقه القدر إلى القلب دون استئذان. وهذه اللمحة التوحيدية تضفي على النص مسحة وقار روحي تمنعه من الانزلاق إلى الغزل المبتذل.

وفي قوله:

والا لو لالي خوف اعلاك

يبك فالناس أمن اتفــــاكي

تظهر أخلاقية الأديب الحساني القديم في أبهى صورها. فالمعنى هنا ليس خوفه على رفاقه من كلام الناس، وإنما خوفه من أن يترك في نفوسهم أثراً أو حرجاً إن بقي وحده في "ألاك" ولم يرحل معهم. فهو يشعر أن الرفقة تقتضي المعية، وأن الانفصال عنهم لأجل هواه الخاص قد يوقع في القلوب شيئاً من العتب أو الإحساس بالتخلي عن الصحبة. ولذلك كان مستعداً لأن يضحي بمصلحته الوجدانية الخاصة، وأن يرحل معهم رغم تعلقه بالمكان، صوناً للود وحماية لحرمة الرفقة ووفاءً للعشرة.

وهذا المعنى يرفع النص أخلاقياً بصورة لافتة؛ لأن الأديب هنا لا يقدّم هواه على الوفاء، ولا يجعل تعلقه العاطفي مبرراً للتقصير في حق الصحبة. بل إننا نجد القلب موزعاً بين نداء الوجد وواجب المروءة، وهي سمة أصيلة في لغن الحساني القديم، حيث يبقى الإنسان محكوماً بقيم الوفاء حتى في لحظات ضعفه العاطفي.

ثم يأتي لب النص:

نتأنّ فالاك أمن امــــرين

أمر الوجد ألفي بـــــاكي

وامر أملي لوجه لحسين

ألي يخلاكي تشتـــــاكي

فهو يقيم في "ألاك" لسببين: أولهما هذا الوجد الذي أبكاه وأتعبه، والثاني ذلك الأمل المعلق بوجه حسن افتقدته روحه طويلاً. وليس الحديث هنا عن جمال جسدي مبتذل، بل عن أثر داخلي عميق، كأن ذلك الوجه أيقظ في النفس شيئاً كان غائباً عنها.

ويزداد النص عفة وسمواً في أن الأديب، رغم عمق تعلقه، لم يعبّر إلا بالوجه وحده، وهو الموضع الذي جرت العادة بجواز النظر إليه، بينما تجاهل سائر الجسد تماماً. وهذا يدل على أن الوجد هنا وجد روح وتأمل، لا شهوة مبتذلة أو وصفا حسيا فجا. فالوجه في النص ليس مجرد ملامح جميلة، بل نافذة دخل منها الاضطراب إلى القلب، ومنه تشكلت كل هذه الحالة الوجدانية.

ثم يأتي الكاف خاتمةً للنص:

وانتم الا ف ألاگ إلين

نلك فـ ألاگ ألل لاكي

وهذا الكاف من أعمق ما في النص، لأنه لا يحمل معنى الإقامة العادية فقط، بل يوحي بأن الأديب منذ تلك النظرة كأنه حكم على نفسه بمسار ينتهي بالفناء حتما. فكأن تلك اللحظة لم تكن إعجاباً عابراً، بل قدراً اقتحم قلبه دفعة واحدة، حتى بدا مقتنعاً أن هذا الوجد سيلازمه إلى النهاية.

ولذلك يريد أن تكون تلك النهاية – إن وقعت – في "ألاك"، أي في المكان الذي بدأت فيه الحكاية وأشرقت فيه تلك النظرة الأولى.

وهنا تتحول "ألاك" من مدينة جغرافية إلى رمز وجداني ومصيري، حتى إن الإقامة فيها تصبح نوعاً من الوفاء لتلك اللحظة المؤسسة. ولذلك جاء قوله "ألل لاكي" مفتوحاً على معنيين معاً: إما لقاء ذلك الوجه الحسن، أو لقاء الله سبحانه، وفي هذا الامتزاج بين أمل اللقاء وإيحاء الفناء ترتفع الطلعة إلى أفق إنساني وتأملي بالغ العمق.

ولهذا جاءت هذه الطلعة ومعها الكاف غزلاً مقبولاً مهذباً، لا فحش فيه ولا تهتك، بل تمتزج فيه رقة العاطفة بوقار النفس، وتلوح فيه ظلال بكاء الأطلال ولمحات التوحيد والإيمان بالقضاء والقدر، وهي سمات تجعل لغن الحساني الرفيع أوسع من مجرد حديث عن الحب، بل تعبيراً عن الإنسان في ضعفه وحنينه وانتظاره.

بوكه باب ‏: 29‏ - 05 – 2026م


 

من رسائل الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي

من أبدع ما وصل إلينا من رسائل الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي، رحمه الله، هذه الرسالة التي كتبها إلى أخيه الأكبر الشيخ سيدي باب أحمد، وقد فاضت بمعاني الشوق والحنين، وازدانت بروائع البيان وجمال العبارة. فهي ليست مجرد رسالة أخ إلى أخيه، بل لوحة أدبية صوّر فيها الكاتب ما يجده من لوعة الفراق ومرارة البعد، وما يكنّه لأخيه من محبة صادقة ومودة راسخة، عاتبه فيها فيها عتاب المحب المشتاق لأخيه كما تجلت فيها قدرته البيانية الفائقة من خلال ما حشد فيها من محاسن الألفاظ وعذوبة التراكيب وقوة التصوير.
جانب من الرسالة :
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده ومن سار بإحسان من بعده.
هذا وإنه إلى عنصر المجد وأصله، وفرع الكرم وفصله، إنسان الأعيان وعين الإنسان، عيبة النصح وصنجة الرجح، الخليق بالنجاح والحقيق بخصيص الفلاح، الواصل في الله لله، والغني بالله مع الله، ذي الصيت الأصعد والسعي الأسعد والمقام الأنجر والشأو الأبعد، إلى سيدي باب أحمد.
من عبد مولاه الشاكر لجميل ما أولاه، محمد بن المختار بن أحمد بن أبي بكر، بسلام أشهى إلى القلب الشجي من طلعة جبينك البهي، وتحية تحيي الرميم وتنشر الود القديم، ورحمة لا تنتهي أعدادها ولا تنقضي أمدادها، وبركة تماسيك وتغاديك وتعم جميع من بناديك.
أما بعد أيها الشقيق الشفيق الرقيق الرفيق، ما هذا السلوان الدائم المتواصل، والبين القاصم الفاصل؟ ألم يرتسم بخيالك ويهجس ببالك ما لنا في وصالك الشهي من الأنس الصفي والنفع الجني؟
ثم يقول رحمه الله: «ولسنا ممن يجتمع للدنيا ويفترق من أجلها، وقد اشتقنا إليك اشتياق الأم للطفل، وحرمتنا عونك وأعوزتنا عينك، لا حرمت النوال ولا أعوزت المنال، وإنما يعد الأخ للأواء وتختزن الدموع للبكاء، فلو وصلتنا وصلك الله بأمراده، وشعبت ثلمنا شعب الله ثلمك بإسعاده».
الأمين العام لزاوية الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي
الشيخ عابدين سيدعمر

حين تُذكر قبيلة كنتة: يتحدث التاريخ

حين ينساب الحديث عن قبيلة "كنتة"، فنحن لا نفتح صفحة في كتاب الأنساب فحسب، بل نفتح ديوان المجد العربي والإسلامي في رحاب الصحراء الكبرى؛ فاسم "كنتة" ليس مجرد لقب عشائري، بل هو رنة شرف تستدعي إلى الأذهان في لحظة واحدة المكارم والأمجاد مجتمعة.

سيادة الجذور وامتداد الأثر

إن الآباء الذين شادوا هذا الصرح كانوا أسياداً بحكم الواقع لا بفرض القوة، وبشهادة العدو قبل الصديق. ومن يقرأ التاريخ بإنصاف، يدرك أن تلك السيادة لم تكن يوماً "امتيازاً طبقيًا" بل كانت "ضريبة أخلاقية" دفعوها علماً، وحلماً، وبذلاً.
واليوم، والزمن يدور دورته، نرى أن الثوابت لا تتغير؛ فمكانة كنتة في المجتمعات محفوظة بحفظ الله لها، وبما أودعه في أبنائها من صفات السيادة التي لا تبليها الأيام.

التاريخ الموثق بالمداد والدم

إن تاريخ هذه القبيلة لم يترك نهباً للروايات الشفوية التي قد يعتريها النسيان، بل هو تاريخ موشوم في صدر الزمن:
• بالتأليف والتدوين : فخزائن المخطوطات تشهد لعلماء كنتة بإنقاذ المعارف الإسلامية واللغوية وتطويرها.
• بالشعر الفصيح والشعبي: فمن "اتهيدين" الذي يهز الوجدان، إلى القوافي الفصيحة التي تمدح العزة، ظلت كنتة مادة الأدب الأثيرة.
• بالمواقف: التي لا تتبدل في الحرب ولا في السلم، حيث كانت خيامهم دوماً هي "الحصن والجامعة".
لقد مضى الآباء والأجداد، وبقيت شهادات من عاصروهم تتردد على الألسنة جيلاً بعد جيل. كانوا سادة لا بالبطش، ولا بادعاء التفوق على الخلق، بل بما اجتمع لهم من خصال جعلت الناس تذكرهم بالخير حيثما ذُكروا.
مقطع من أتهيدينــــــــة أن:

احـــــن كان اطــنبن بالشكر
الزين الل اســافــر عـــــــنا
شكر اشـــيع افــلبحر و البر
الكـــنته واخــســر فــيه انـا
هم و كــــم امنـوجه كــــشر
موجــب لمجــبــها مـــــــنـا
ظـــاهرلي من ذ ﮔـاع اظـهر
و ازيـــــن ﮔــاع الا لــﮔــــنا
و الل ذاك الل مـــقــــــــــدر
احــــــن مــاه الل عــــــــدنا
لـمــر التــعــدال المــول لمر
احن لــمــــر اصـــل مـاه انا
ذاك الخــبر فــات احـــــــرر
ﮔــــلـــنا و احــــن و الله دنا
انـــــــردوعـــن ذاك الخــبر
الفــيه المــوجـــب بـــاح انا

واليوم، وبعد تعاقب العقود والقرون، لم يتغير من هذه الحقيقة شيء جوهري. فما زالت مكانة كنتة محفوظة في وجدان المجتمعات التي عرفتهم، وما زال اسمهم يحظى بالتقدير والاحترام حيثما حضر.
أما المتغير الوحيد فهو ظهور بعض المتخفين وراء الأسماء المستعارة، ممن يحاولون بين الفينة والأخرى النيل من هذا التاريخ أو التشويش عليه. وهي محاولة تشبه من يحاول حجب الشمس بكفه، أو محو جبل من الخريطة بخط من الحبر.
ولست ممن ينزل إلى مستوى المهاترات، ولا ممن يقتات على ما يتقيأه أصحاب الحسابات المجهولة من إساءات، لأن إعادة نشرها تمنحها من الزخم أكثر مما تستحق. لكن الصمت عن الذب عن العرض وعن الحقيقة ليس من المروءة في شيء.
فكنتة ليست قضية أفراد محدودين، وليست اسماً طارئاً ظهر بالأمس حتى تهزه عاصفة إلكترونية عابرة. إنها جزء أصيل من تاريخ موريتانيا والمنطقة ككل، بل إن كثيراً من صفحات المجد والعلم والإصلاح الاجتماعي في هذه الربوع لا يمكن قراءتها بمعزل عن أدوار رجالها ومواقفهم.
إن تاريخ هذه القبيلة لم يأتنا عن طريق الرواية الشفهية وحدها، بل وثقته المؤلفات، وحفظته الأشعار، وسجلته المواقف في الحرب كما سجلته المواقف في السلم. ولذلك ظل حاضراً في الذاكرة الجماعية، لأن الأمم لا تحفظ إلا ما كان جديراً بالحفظ.
أما الضجيج العابر فمصيره إلى الزوال، وأما الأسماء التي بنت مجدها على العلم والكرم والمروءة والإصلاح فتبقى، لأن البقاء في النهاية ليس لمن يرفع صوته أكثر، وإنما لمن يترك أثراً أعمق.

مقطع آخر من أتهيدينة: أن

دعج باطل خوف الكدر
من صابنا لا هيدنا

و اكعدنا فالمحفل فالنكر
و اخبطنا تيدناتنا

الملوك اسلاطين اظهر
قريش الا من صابنا

كاع اعرفنا شي فوك الشكر
انكلوه اصل صابنا

ما خايب فيه النا نظر
و خفنا كاع الى ما كنا

ذاك و كلنا من ذاك اكثر
ينكال النا كاع امجنا

احن كنتة سابك ما جر
لكلام الموجب ماكنا

محتاجين اعل شد اخبر
فيهم و الموجب باح النا

و اظريك امنين ان شمر
ثقل اعكاب الدهر و بنا

و استرخا لكلام و كشر
الل زاد احمل بحللنا

حك احلل كنتة ذاك اظهر

واحنا ما يحمل بحللنا

ذوك احلل نجع المتغمبر

يمولانا لا تجعلنا

كون امعاهم مدة لعمر
هوما حمالين اثقلنا

واحملنا لمجلج لقجر
ما كط انهار اتكاولنا

عنا نشكاو افمسلة حر
ما رفدوها واشكاو النا

فيها و ابكاو النا قمر
أ كان ابكينا يبكاو النا

و ميت امبكر اعل احوار اذكر
فرد و ناكة اعليه امحنا

بلبنها يتكاطر يهدر
يعطوها فالمسنون النا

و امنين اعلينا يكشر
فمحالي يعطوها عنا

و ذوك احلل نجع امببكر
اهل الشيخ اشياخ احللنا

ما كط اركبنا نظو احمر
معلوم اعليه ازملنا

و افحل خيل اطويل اميثر
سرزو و اكلادة تمنا

تثنا من ترداف الحر
كون امنيديهم حك النا

و ذوك احلل سيدي بوبكر
و سيد الوافي سعد اهنا

و اصل النا واصل النا لوخر
و ابلد فمنين اتمونا

من كبريت الميدن لحمر
و اللوحات اعل امداينا

خنط و خيط و فظة و ابكر
ما كط اعل الرزق اعملنا

ماهو فم و لا كط اذكر
من جمع الشعار اغبنا

و ذوك احلل فمنين اتقر
امسايل كيف امسايلنا

احبلات ابلد سم الشر
و ابلد فمنين اتمتنا

و رينا كم امن اجمل يخمر
و ارج و و الكنا

و البسنا لمشبك لخظر
و ارباو اعلبنا واسمنا

و ذوك احلل فمنين اتقر
اماكل تكل اماكلنا

فوجه عام الجدبة لصفر

اباسيف احلل تكل النا

و كان العام ارخس و اتمرمر
و اتمرمدنا و اتطاولنا

يغنونا عن كم من محصر
بالبل و الخيل الا كنا

يطلب واصيب اللي ادور
ذاك امنين اص طولنا

لسنتنا بالشيعة و الشكر

و اتمونكنا و اسلطنا


ولهذا فإن كنتة ستظل "كنتة" كما كانت: منارة في ليل التائهين، تاريخها محرر، وأمجادها خالدة.
بوكه باب ‏03‏/06‏/2026م
 

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

حين تهتز الموازين

 

من أخطر ما يميز عصرنا الحالي أن أزمة الثقة لم تعد مقتصرة على عامة الناس أو على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى دوائر كان الناس يعدونها حصوناً للرصانة والاتزان والموضوعية.
فقد أصبح المرء يرى أحياناً بعض من نالوا مكانة علمية أو فكرية أو سياسية مرموقة يتصرفون بطريقة لا تختلف كثيراً عن سلوك الغوغاء الذين كانوا هم أنفسهم يحذرون منهم بالأمس. تراجعت قيمة التثبت، وضعفت هيبة الكلمة المسؤولة، وأصبحت المواقف تتشكل أحياناً تحت ضغط الانفعال اللحظي أو الاصطفاف المسبق أو المصالح الضيقة، لا وفق ما تقتضيه الأمانة والاستقلالية والإنصاف.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الناس حين كانوا يثقون في العلماء والمفكرين والقادة لم يكونوا يثقون في أشخاصهم فحسب، بل كانوا يثقون في منظومة كاملة من القيم يمثلونها؛ قيم الصدق، والتجرد، والتوازن، والقدرة على الارتفاع فوق الأهواء. وحين تهتز صورة هؤلاء، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات التي ينتمون إليها، وإلى القيم التي يفترض أنهم يجسدونها.
ومن هنا يمكن فهم حالة الشك التي أصبحت تحيط بكثير من المؤسسات المحلية والدولية. فالمشكلة ليست دائماً في ضعف القوانين أو نقص الإمكانات، بل في شعور متزايد لدى الناس بأن المعايير لم تعد ثابتة، وأن الأحكام قد تتبدل بتبدل المواقع والمصالح، وأن ما كان يعد بالأمس حقيقة ثابتة قد يصبح اليوم محل تشكيك دون مقدمات مقنعة.
وقد انعكس هذا الاضطراب حتى على الاقتصاد العالمي نفسه. فالأسواق التي يفترض أنها تبنى على الحسابات والمؤشرات والأرقام أصبحت في كثير من الأحيان ترتفع بكلمة، وتهبط بتصريح، وتفقد مليارات الدولارات أو تكسبها في ساعات معدودة بسبب تغريدة أو مقابلة أو إشاعة. وكأن العالم كله يعيش حالة ترقب دائم لا يدري فيها أين تنتهي الحقائق وأين تبدأ الانطباعات.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد اضطراب سياسي أو اقتصادي، بل هو في جوهره أزمة مرجعيات. فحين تضطرب الموازين، ويختلط الخبير بغير الخبير، ويصبح صاحب الصوت الأعلى أقدر على التأثير من صاحب الحجة الأقوى، فإن المجتمع كله يدخل مرحلة من إرباك التوقعات وتكسير القواعد التي استقرت طويلاً.
ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى استعادة فضائل قديمة تبدو بسيطة لكنها أساس كل عمران بشري: الصدق قبل الذكاء، والأمانة قبل الشهرة، والاستقلالية قبل الاصطفاف، والاعتراف بالخطأ قبل المكابرة.
فالثقة لا تبنى بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات الكبيرة، وإنما تبنى حين يطمئن الناس إلى أن الكلمة قيلت لأنها حق، لا لأنها نافعة لقائلها، وأن الموقف اتخذ لأنه صواب، لا لأنه يوافق هوى الجمهور أو رغبة أصحاب النفوذ.
وعندما تستعيد المجتمعات هذه المعاني، تستعيد معها قدرتها على التمييز بين الحقيقة والضجيج، وبين القيادة والتأثير العابر، وبين البناء الحقيقي والمجد الزائف الذي يلمع سريعاً ثم يختفي سريعاً.

من جهود العلامة سيدي محمد بن بادي

من جهود العلامة سيدي محمد بن بادي بن باي بن الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي في علوم اللغة
1-كتاب وقاية المتكلم من اللحن المثلم
٢-شرح الكتاب السابق
3- مقدم العيي المصروم على نظم ابن أب لأجروم
4- جانب زينة الفتيان من النحو والصرف والبلاغة والخط
4- شرح جانب اللغة من زينة الفتيان
5-نظم الميداني في علم الصرف
وقد فطن علم من أنبل تلاميذته لأهمية نظم وشرح زينة الفتيان فأراد المزج بينهما في نظم رائق فكان له ذلك وهو العلامة محمد بن محمد الفقي السوقي ذائع الصيت حسن المنصفات والنظم رحم الله الجميع فقال في مقدمة بنت السودان:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي قَدْ زَيَّنَا *** أَلْفَاظَنَا بِالنَّحْوِ فَضْلًا بَيِّنَا
وَجَمَّلَ الْكَلِمَ بِالْإِعْرَابِ *** فَهْوَ لَهُ كاَلْعِقْدِ لَلْأّتْرَابِ
وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ *** عَلَى الَّذِي بُعِثَ بِالْإِسْلَامِ
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَالْمُقْتَدِي *** وَكُلِّ تَابِعٍ لَهُمْ مُجَدِّدِ
هَذَا وَلَمَّا كَانَ عِلْمُ النَّحْوِ *** كُلُّ مَنَاهِجِ الْمَعَالِي يَحْوِي
وَكُلُّ مَنْ لَّمْ يُوَتَ مِنْهُ طَائِفَهْ *** كَانَتْ مَعَانِي مَا يُعَانِي زَائِفَهْ
لِوَضْعِهِ لِمُسْتَحِقِّ الرَّفْعِ *** أَوْ رَفْعِهِ لِمُسْتَحِقِّ الْوَضْعِ
أَوْ جَزْمِهِ بِخَبَرٍ ضَعِيفِ *** أَوْ صَرْفِهِ مَا لَيْسَ بِالْمَصْرُوفِ
وَمَالَهُ فِي الذِّكْرِ مِنْ إِمْلَاءِ *** كَلَّا وَلَا فِي السُّنَّةِ الْغَرَّاءِ
بَلْ إِنَّمَا يُخْشَى عَلَيْهِ الْمَقْتُ *** لِنَعْتِهِ لِمَا أَبَاهُ النَّعْتُ
أَرَدْتُ أَنْ أَنْظِمَ رَجَزَا *** لَعَلَّنِي أَنَالُ أَوْفَرَ جَزَا
وَلِيَكُونَ كَالْهِجَا لِلْمُبْتَدِي *** وَلُقْطَةً لِلنَّاشِدِ الْمُقْتَصِدِ
وَكُلُّهُ مِنْ زِينَةِ الْفِتْيَانِ *** لِشَيْخِي ابْنِ بَادِ ذَائع الشَّانِ
لِجَمْعُهَا الْجَمَّ مِنَ الْفَوَائِدِ *** وَقَيْدِهَا أَوَابِدَ الشَّوَارِدِ
وَهِيَ جَدِيرَةٌ بِصَرْفِ النِّيَّةْ *** إِلَيْهَا فَهْيَ الدُّرَّةُ الْكُنْتِيَّةْ
وَكَانَ قَدْ عَرَضَهَا أَبُوهَا *** عَلَى الْأَلُىَ لِعِزِّهَا أَبُوْهَا
إِذْ مَهْرُهَا بَذْلُ نَفِيسِ الْأَنْفُسِ *** لِكَوْنِهَا حَوْرَاءَ ذَاتَ لَعَسِ
وَكُنْتُ حَاضِرًا لِذَاكَ الْعَرْضِ *** لَكِنَّنِي مِنْ دُونِ ذَاكَ الْفَرْضِ
وَلَمْ تَزَلْ حَوَادِثُ الْأَيَّام ِ*** تَرْمِي بِهَا لِسَامٍ أَوْ لِحَامِ
وَدَائِمًا تَنْتَحِبُ الْفَتَاةُ *** لِأَنَّ أَهْلَهَا جَمِيعًا مَاتُوا
فَهْيَ مِنَ الْوُقُوفِ فِي الْأَطْلَالِ *** بَادِيَةُ الْكُلَى مِنْ الْهُزَالِ
فَمُذْ رَأَيْتُ مَا بِهَا تَحَرَّكَا *** مِنَ الْحَنَانِ مَا أَتَاحَ لِلْبُكَا
فَسُقْتُ مَا لَيْسَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ *** وَلَمْ أَكُنْ بِكُفُوءٍ فِي الْأَصْلِ
فَزُفِّفَتْ قَسْرًا إِلَيَّ وَالْحَيَا *** يَطُلُّ مِنِّي فَوْقَ مَا طَلَّ الْحَيَا
خَوْدٌ تُزَفُّ لِضَرِيرٍ مُقْعَدِ *** وَبَدْرَةٌ سِيمَتْ بِزَائِفٍ رَدِ
لَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ زَوْجُ عُودِ *** أَحْصَنُ لِلْفَتَاةِ مِنْ قُعُودِ
فَكَانَ مَا كَانَ فَجَاءَتْ بِنْتُ *** كَأَنَّهَا غَالِيَةٌ أَوْ بِنْتُ
تَكْفِي لَبِيبًا لِلْعَفَافِ أُمَّهَا *** مَلَاحَةُ لِأَنَّ أُمَّهَا مَهَا
وَقَدْ عَرَضْتُهَا عَلَى الْأَبْنَاءِ *** بِمَهْرِ الْأُمِّ صَالِحَ الدُّعَاءِ
رَبَّةُ بَيْتٍ تَمْحَقُ الْمِحَاقَا *** عَنِ الْفَتَى وَالْفَقْرِ وَالْإِمْلَاقَا
لِسَوْقِهَا مِنْ شَوْرَةِ الشَّوَاهِدِ *** مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِهَا بِالْوَاجِدِ
وَكَوْنُهَا صَبِيحَةَ الْمُحَيَّا***مَيْمُونَةً فَحَيَّهَلْ وَحَيَّا
فَهَوُمُوهَا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ***حَالِيَةً بِالصَّرْفِ وَالْإِعْرَابِ
أَرْجُو لَهَا الْقَبُولَ مِنْ كُلِّ أَخِ***مُشَرَّخٍ فِي الْفَنِّ أَوْ مُشَيَّخِ
مَحُوطَةً بِصَوْنِ رَبٍّ حَافِظِ***مِنْ غَمْزِ كُلِّ طَاعِنٍ وَلَافِظِ
وَاللَّهَ أَرْجُو أَنْ تَكُونَ خَالِصَهْ***لَهُ مُضِيئَةً كَدُرٍّ خَالِصَهْ
نَافِعَةً لِكُلِّ قَارٍ وَاعِ***أَوْ نَاسِخٍ أَوْ سَامِعٍ أَوْ دَاعِ
الأمين العام لزاوية الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي
الشيخ عابدين سيدعمر