ماني تاهم كنت أن "ألاگ " فيه أمن التعلاك ألخلاك
كدلي
جبرت يالخـــــــلاك يامس عند
"ألاك" اخلاكي.
والا
لو لالي خوف اعلاك يبك فالناس أمن اتفـــاكي.
نتأنّ
فالاك أمن امـــــرين أمر الوجد ألفي
بـــــاكي
وامر
أملي لوجه لحســين ألي يخلاكي تشتــــــاكي
وانتم
الا ف "ألاك" إلين نلك فـ "ألاك" ألل لاكـــي
في هذه
الطلعة الرفيعة والكاف للأديب الكبير محمد ولد ببكر أمبارك تتجلى قدرة لغن الحساني
على حمل العاطفة العميقة بألفاظ مقتصدة وإشارات موحية، دون حاجة إلى التصريح
المباشر أو الإسهاب. فالطلعة هنا لا تقوم على الزينة اللفظية وحدها، وإنما على صدق
الوجد ودقة التقاط اللحظة النفسية التي غيّرت مجرى شعور الأديب تجاه مدينة كاملة.
يبدأ
الأديب بدهشة صادقة:
ماني
تاهم كنت أن ألاگ
فيه
أمن التعلاك الخـلاك
فـ "ألاك"
لم تعد مجرد مدينة عابرة، بل صارت مكاناً ارتبط بصدمة وجدانية غير متوقعة. لم يكن
يظن أن في هذه المدينة ما يوقظ داخله ذلك "التعلاك الخلاك"، أي ذلك
الوجد الذي يخلخل توازن النفس ويقلب سكونها قلقاً وانتظاراً. ومن جمال العبارة أن
المدينة نفسها تبدو كأنها تحمل سرّ هذا التعلق، لا مجرد الشخص الذي رآه فيها.
ثم
يقول:
كدلي
جبرت يالخلاك
وهنا
ترتفع الطلعة من وصف الشعور إلى الإقرار بالموجد الخلاق سبحانه، وكأن الأديب يعترف
بأن ما أصابه من تعلق ليس مجرد اختيار بشري خالص، بل شيء ساقه القدر إلى القلب دون
استئذان. وهذه اللمحة التوحيدية تضفي على النص مسحة وقار روحي تمنعه من الانزلاق
إلى الغزل المبتذل.
وفي
قوله:
والا
لو لالي خوف اعلاك
يبك
فالناس أمن اتفــــاكي
تظهر
أخلاقية الأديب الحساني القديم في أبهى صورها. فالمعنى هنا ليس خوفه على رفاقه من
كلام الناس، وإنما خوفه من أن يترك في نفوسهم أثراً أو حرجاً إن بقي وحده في "ألاك"
ولم يرحل معهم. فهو يشعر أن الرفقة تقتضي المعية، وأن الانفصال عنهم لأجل هواه
الخاص قد يوقع في القلوب شيئاً من العتب أو الإحساس بالتخلي عن الصحبة. ولذلك كان
مستعداً لأن يضحي بمصلحته الوجدانية الخاصة، وأن يرحل معهم رغم تعلقه بالمكان،
صوناً للود وحماية لحرمة الرفقة ووفاءً للعشرة.
وهذا
المعنى يرفع النص أخلاقياً بصورة لافتة؛ لأن الأديب هنا لا يقدّم هواه على الوفاء،
ولا يجعل تعلقه العاطفي مبرراً للتقصير في حق الصحبة. بل إننا نجد القلب موزعاً
بين نداء الوجد وواجب المروءة، وهي سمة أصيلة في لغن الحساني القديم، حيث يبقى
الإنسان محكوماً بقيم الوفاء حتى في لحظات ضعفه العاطفي.
ثم يأتي
لب النص:
نتأنّ
فالاك أمن امــــرين
أمر
الوجد ألفي بـــــاكي
وامر
أملي لوجه لحسين
ألي
يخلاكي تشتـــــاكي
فهو
يقيم في "ألاك" لسببين: أولهما هذا الوجد الذي أبكاه وأتعبه، والثاني
ذلك الأمل المعلق بوجه حسن افتقدته روحه طويلاً. وليس الحديث هنا عن جمال جسدي
مبتذل، بل عن أثر داخلي عميق، كأن ذلك الوجه أيقظ في النفس شيئاً كان غائباً عنها.
ويزداد
النص عفة وسمواً في أن الأديب، رغم عمق تعلقه، لم يعبّر إلا بالوجه وحده، وهو
الموضع الذي جرت العادة بجواز النظر إليه، بينما تجاهل سائر الجسد تماماً. وهذا
يدل على أن الوجد هنا وجد روح وتأمل، لا شهوة مبتذلة أو وصفا حسيا فجا. فالوجه في
النص ليس مجرد ملامح جميلة، بل نافذة دخل منها الاضطراب إلى القلب، ومنه تشكلت كل
هذه الحالة الوجدانية.
ثم
يأتي الكاف خاتمةً للنص:
وانتم
الا ف ألاگ إلين
نلك فـ
ألاگ ألل لاكي
وهذا
الكاف من أعمق ما في النص، لأنه لا يحمل معنى الإقامة العادية فقط، بل يوحي بأن
الأديب منذ تلك النظرة كأنه حكم على نفسه بمسار ينتهي بالفناء حتما. فكأن تلك
اللحظة لم تكن إعجاباً عابراً، بل قدراً اقتحم قلبه دفعة واحدة، حتى بدا مقتنعاً
أن هذا الوجد سيلازمه إلى النهاية.
ولذلك
يريد أن تكون تلك النهاية – إن وقعت – في "ألاك"، أي في المكان الذي
بدأت فيه الحكاية وأشرقت فيه تلك النظرة الأولى.
وهنا
تتحول "ألاك" من مدينة جغرافية إلى رمز وجداني ومصيري، حتى إن الإقامة
فيها تصبح نوعاً من الوفاء لتلك اللحظة المؤسسة. ولذلك جاء قوله "ألل لاكي"
مفتوحاً على معنيين معاً: إما لقاء ذلك الوجه الحسن، أو لقاء الله سبحانه، وفي هذا
الامتزاج بين أمل اللقاء وإيحاء الفناء ترتفع الطلعة إلى أفق إنساني وتأملي بالغ
العمق.
ولهذا
جاءت هذه الطلعة ومعها الكاف غزلاً مقبولاً مهذباً، لا فحش فيه ولا تهتك، بل تمتزج
فيه رقة العاطفة بوقار النفس، وتلوح فيه ظلال بكاء الأطلال ولمحات التوحيد
والإيمان بالقضاء والقدر، وهي سمات تجعل لغن الحساني الرفيع أوسع من مجرد حديث عن
الحب، بل تعبيراً عن الإنسان في ضعفه وحنينه وانتظاره.
بوكه
باب : 29 - 05 – 2026م




