حين ينساب الحديث عن قبيلة "كنتة"، فنحن لا نفتح صفحة في كتاب الأنساب فحسب، بل نفتح ديوان المجد العربي والإسلامي في رحاب الصحراء الكبرى؛ فاسم "كنتة" ليس مجرد لقب عشائري، بل هو رنة شرف تستدعي إلى الأذهان في لحظة واحدة المكارم والأمجاد مجتمعة.
سيادة الجذور وامتداد الأثر
إن الآباء الذين شادوا هذا الصرح كانوا أسياداً بحكم الواقع لا بفرض القوة، وبشهادة العدو قبل الصديق. ومن يقرأ التاريخ بإنصاف، يدرك أن تلك السيادة لم تكن يوماً "امتيازاً طبقيًا" بل كانت "ضريبة أخلاقية" دفعوها علماً، وحلماً، وبذلاً.
واليوم، والزمن يدور دورته، نرى أن الثوابت لا تتغير؛ فمكانة كنتة في المجتمعات محفوظة بحفظ الله لها، وبما أودعه في أبنائها من صفات السيادة التي لا تبليها الأيام.
التاريخ الموثق بالمداد والدم
إن تاريخ هذه القبيلة لم يترك نهباً للروايات الشفوية التي قد يعتريها النسيان، بل هو تاريخ موشوم في صدر الزمن:
• بالتأليف والتدوين : فخزائن المخطوطات تشهد لعلماء كنتة بإنقاذ المعارف الإسلامية واللغوية وتطويرها.
• بالشعر الفصيح والشعبي: فمن "اتهيدين" الذي يهز الوجدان، إلى القوافي الفصيحة التي تمدح العزة، ظلت كنتة مادة الأدب الأثيرة.
• بالمواقف: التي لا تتبدل في الحرب ولا في السلم، حيث كانت خيامهم دوماً هي "الحصن والجامعة".
لقد مضى الآباء والأجداد، وبقيت شهادات من عاصروهم تتردد على الألسنة جيلاً بعد جيل. كانوا سادة لا بالبطش، ولا بادعاء التفوق على الخلق، بل بما اجتمع لهم من خصال جعلت الناس تذكرهم بالخير حيثما ذُكروا.
مقطع من أتهيدينــــــــة أن:
احـــــن كان اطــنبن بالشكر
الزين الل اســافــر عـــــــنا
شكر اشـــيع افــلبحر و البر
الكـــنته واخــســر فــيه انـا
هم و كــــم امنـوجه كــــشر
موجــب لمجــبــها مـــــــنـا
ظـــاهرلي من ذ ﮔـاع اظـهر
و ازيـــــن ﮔــاع الا لــﮔــــنا
و الل ذاك الل مـــقــــــــــدر
احــــــن مــاه الل عــــــــدنا
لـمــر التــعــدال المــول لمر
احن لــمــــر اصـــل مـاه انا
ذاك الخــبر فــات احـــــــرر
ﮔــــلـــنا و احــــن و الله دنا
انـــــــردوعـــن ذاك الخــبر
الفــيه المــوجـــب بـــاح انا
واليوم، وبعد تعاقب العقود والقرون، لم يتغير من هذه الحقيقة شيء جوهري. فما زالت مكانة كنتة محفوظة في وجدان المجتمعات التي عرفتهم، وما زال اسمهم يحظى بالتقدير والاحترام حيثما حضر.
أما المتغير الوحيد فهو ظهور بعض المتخفين وراء الأسماء المستعارة، ممن يحاولون بين الفينة والأخرى النيل من هذا التاريخ أو التشويش عليه. وهي محاولة تشبه من يحاول حجب الشمس بكفه، أو محو جبل من الخريطة بخط من الحبر.
ولست ممن ينزل إلى مستوى المهاترات، ولا ممن يقتات على ما يتقيأه أصحاب الحسابات المجهولة من إساءات، لأن إعادة نشرها تمنحها من الزخم أكثر مما تستحق. لكن الصمت عن الذب عن العرض وعن الحقيقة ليس من المروءة في شيء.
فكنتة ليست قضية أفراد محدودين، وليست اسماً طارئاً ظهر بالأمس حتى تهزه عاصفة إلكترونية عابرة. إنها جزء أصيل من تاريخ موريتانيا والمنطقة ككل، بل إن كثيراً من صفحات المجد والعلم والإصلاح الاجتماعي في هذه الربوع لا يمكن قراءتها بمعزل عن أدوار رجالها ومواقفهم.
إن تاريخ هذه القبيلة لم يأتنا عن طريق الرواية الشفهية وحدها، بل وثقته المؤلفات، وحفظته الأشعار، وسجلته المواقف في الحرب كما سجلته المواقف في السلم. ولذلك ظل حاضراً في الذاكرة الجماعية، لأن الأمم لا تحفظ إلا ما كان جديراً بالحفظ.
أما الضجيج العابر فمصيره إلى الزوال، وأما الأسماء التي بنت مجدها على العلم والكرم والمروءة والإصلاح فتبقى، لأن البقاء في النهاية ليس لمن يرفع صوته أكثر، وإنما لمن يترك أثراً أعمق.
مقطع آخر من أتهيدينة: أن
دعج باطل خوف الكدر
من صابنا لا هيدنا
و اكعدنا فالمحفل فالنكر
و اخبطنا تيدناتنا
الملوك اسلاطين اظهر
قريش الا من صابنا
كاع اعرفنا شي فوك الشكر
انكلوه اصل صابنا
ما خايب فيه النا نظر
و خفنا كاع الى ما كنا
ذاك و كلنا من ذاك اكثر
ينكال النا كاع امجنا
احن كنتة سابك ما جر
لكلام الموجب ماكنا
محتاجين اعل شد اخبر
فيهم و الموجب باح النا
و اظريك امنين ان شمر
ثقل اعكاب الدهر و بنا
و استرخا لكلام و كشر
الل زاد احمل بحللنا
حك احلل كنتة ذاك اظهر
واحنا ما يحمل بحللنا
ذوك احلل نجع المتغمبر
يمولانا لا تجعلنا
كون امعاهم مدة لعمر
هوما حمالين اثقلنا
واحملنا لمجلج لقجر
ما كط انهار اتكاولنا
عنا نشكاو افمسلة حر
ما رفدوها واشكاو النا
فيها و ابكاو النا قمر
أ كان ابكينا يبكاو النا
و ميت امبكر اعل احوار اذكر
فرد و ناكة اعليه امحنا
بلبنها يتكاطر يهدر
يعطوها فالمسنون النا
و امنين اعلينا يكشر
فمحالي يعطوها عنا
و ذوك احلل نجع امببكر
اهل الشيخ اشياخ احللنا
ما كط اركبنا نظو احمر
معلوم اعليه ازملنا
و افحل خيل اطويل اميثر
سرزو و اكلادة تمنا
تثنا من ترداف الحر
كون امنيديهم حك النا
و ذوك احلل سيدي بوبكر
و سيد الوافي سعد اهنا
و اصل النا واصل النا لوخر
و ابلد فمنين اتمونا
من كبريت الميدن لحمر
و اللوحات اعل امداينا
خنط و خيط و فظة و ابكر
ما كط اعل الرزق اعملنا
ماهو فم و لا كط اذكر
من جمع الشعار اغبنا
و ذوك احلل فمنين اتقر
امسايل كيف امسايلنا
احبلات ابلد سم الشر
و ابلد فمنين اتمتنا
و رينا كم امن اجمل يخمر
و ارج و و الكنا
و البسنا لمشبك لخظر
و ارباو اعلبنا واسمنا
و ذوك احلل فمنين اتقر
اماكل تكل اماكلنا
فوجه عام الجدبة لصفر
اباسيف احلل تكل النا
و كان العام ارخس و اتمرمر
و اتمرمدنا و اتطاولنا
يغنونا عن كم من محصر
بالبل و الخيل الا كنا
يطلب واصيب اللي ادور
ذاك امنين اص طولنا
لسنتنا بالشيعة و الشكر
و اتمونكنا و اسلطنا
ولهذا فإن كنتة ستظل "كنتة" كما كانت: منارة في ليل التائهين، تاريخها محرر، وأمجادها خالدة.
بوكه باب 03/06/2026م

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
تضمين الرسالة أدناه