الاثنين، 6 يوليو 2026

خمسة عشر عاماً في الدوحة: شهادة وفاء للأرض، وللإنسان

 

على عتبة الرحيل والعودة إلى أرض الوطن، وبعد غربة دامت خمسة عشر عاماً في الدوحة ، تقف النفس موقف المتأمل المستذكر، لتدون في سجل الأيام شهادة حق ووفاء لا بد أن تسطر؛ شهادة لله ثم للتاريخ، تنصف مكاناً احتضن العمر، وجالية شرفت وطنها، وإنساناً كان هو الأهل والوطن في الغربة.
إن الحديث عن دولة قطر، حكومة وشعباً، هو حديث عن نموذج استثنائي في بناء الدولة الحديثة؛ حيث تتجلى العصرنة في أبهى صورها ومقاييسها، بدءاً من المعمار الهندسي البديع، وشبكات الطرق والجسور المنسابة، وصولاً إلى الحدائق الغناء التي تنبض بالحياة والتنظيم. ولم تكن هذه النهضة العمرانية مجرد مظهر خارجي، بل واكبتها بنية مؤسسية وإدارية بلغت الغاية في الانضباط، والكفاءة، وبنية تحتية فائقة الجودة؛ فطوال عقد ونصف من الزمان، عشت في كنف مدينة ذكية ومستقرة، لم تنقطع فيها خدمات الكهرباء أو الماء يوماً واحداً، ولم تتأثر فيها سبل العيش الكريم.
هذا الانضباط العام انعكس على سلوكي الشخصي كجزء من رد الجميل لهذه الأرض؛ فطوال هذه الفترة لم أقطع إشارة حمراء قط، ولم أرتكب مخالفة للنظم المعمول بها يوماً، إيماناً بأن احترام قانون البلد المستضيف هو المظهر الأول للمواطنة الصالحة. وهنا لا بد من الإشادة بالتعامل الراقي والحكيم من قبل الجهات الرسمية في الدولة تجاه الجالية الموريتانية، حيث كانت تلك الجهات دائماً عوناً للجالية، وسنداً لها، ومسهلاً لشؤونها بكامل التقدير والاحترام.
وعلى الصعيد الروحي والديني، كانت هذه الأرض نعم المعين على إقامة صلاة الجماعة وابتغاء السكينة، بفضل الجودة الفائقة للمساجد، ونظافة مرافقها، وفخامة سجادها الذي يشعرك بقدسية المكان وعناية القائمين عليه. وطوال هذه السنين، عشت في أمان تام يثير الإعجاب؛ فلم يصادفني منكر في الشارع كما أنه لم يدخل علي منكر بيتي، وكنت في سلام واطمئنان خاصة أنني لم أبحث عن كدر يوماً، وهي صفة أصيلة طبعت هذه البلاد بالأمن وجعلت لها مكانة سامية وراسخة في سويداء القلب.
وفي هذا الفضاء الممتد، خرجت بأعظم درس صاغ وعيي؛ إذ تعلمت أن تطوير الذات بشكل مستمر ليس مجرد خيار عابر، بل هو أمر حتمي وضرورة ملحة للحياة والبقاء في عالم متسارع. وقد هيأت لي هذه التجربة البيئة المثالية لتحقيق ذلك؛ حيث وفر لي الفضاء الخاص في البيت واحة هادئة للتعلم المستمر وتعميق المعارف، مثلما أتاح لي الفضاء العام بفضل تنظيمه وثرائه فرصاً معرفية وتدريبية لا حصر لها. إنها فرص ثمينة ومفتوحة لكل من يحمل شغف الارتقاء بنفسه وبقدراته. لقد تعلمت هنا الكثير والكثير، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على ما وهب واستودع.
وطبعاً، فإن كل هذه الميزات العظيمة والأجواء المثالية التي وجدتها في الغربة لا يمكن بحال من الأحوال أن تغطي على بعض التحديات والمنغصات الوجدانية التي تتسبب فيها الغربة عموماً، والتي تظل ضريبة يدفعها كل مبتعد عن مرابع الصبا والأهل.
وفي هذا السياق، يفرض فخر الانتماء نفسه؛ إذ أرفع قبعة الإشادة والاعتزاز بالجالية الموريتانية في دولة قطر، وخصيصاً برعيلها الأول. لقد أثبت هؤلاء الرواد جدارتهم وكفاءتهم العالية في كل التخصصات العلمية، والإدارية، والقانونية، والأكاديمية التي قدموا بموجبها، فكانوا خير سفراء لبلدهم، واستوجبوا باقتدار احترام السلطات والشعب القطري على حد سواء. ومن موقع المحب الحريص، أطالب كافة أفراد الجالية، وخصوصاً الأجيال الجديدة، بالمحافظة على ذلك النهج المشرف، والعض بالنواجد على تلك الصورة الناصعة التي رسمها الآباء والإخوة الأوائل لتبقى مكانة الموريتاني مصونة ومهابة.
لكن الميزة الأهم، والمنحة الكبرى التي طوقت بها الدوحة عنقي في هذه الغربة، هي أنها جمعتني بـ "الوطن الإنسان"؛ الدكتور أدي آدب. هذا الرجل الذي خبرته عن قرب، وتأكدت بحكم المساكنة الطويلة والعيش المشترك تحت سقف واحد أنه شخص فريد لا يبتغي علواً في الأرض ولا فساداً، بل جعل من العطاء والإنتاج غايته الأسمى وشغله الشاغل في جميع مجالات الحياة.
عشت معه طوال هذه المدة، وتأكدت أنه يعيش من أجل العطاء وحده؛ فلا خطوط حمراء تقيد كرمه، ولا سقف يحد من جوده، يعطي كل شيء ويجود بروحه ووقته وفكره وهو يبتسم ابتسامة الرضا والسرور، ولم أره يوماً واحداً منزعجاً من بذل أو متبرماً من تضحية، وهي لعمري ميزة نادرة جداً في زمن شحت فيه الأنفس.
لقد تجاوزت علاقتي به حدود القرابة والصداقة لتأخذ أبعاداً إنسانية بالغة العمق والتنوع؛ فكان لي أحياناً بمثابة الأب في حنوّه ورعايته، وتارة بمثابة الأخ في سنَده ومؤازرته، وأحياناً أخرى بمثابة الابن في نقائه وتلقائيته. إن هذا الألق الإنساني العجيب، وهذا النبل المتدفق من روحه، هو السر الحقيقي الذي جعل الأعوام الخمسة عشر تمر كلمح البصر، وتتحول من سنوات غربة موحشة إلى رحلة عمر دافئة، أحمل زادها النبيل وثراءها الفكري ومعينها الأخلاقي معي وأنا أستعد اليوم لمعانقة أرض الوطن.
بوكه باب 06-07- 2026م