الثلاثاء، 2 يونيو 2026

حين تهتز الموازين

 

من أخطر ما يميز عصرنا الحالي أن أزمة الثقة لم تعد مقتصرة على عامة الناس أو على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى دوائر كان الناس يعدونها حصوناً للرصانة والاتزان والموضوعية.
فقد أصبح المرء يرى أحياناً بعض من نالوا مكانة علمية أو فكرية أو سياسية مرموقة يتصرفون بطريقة لا تختلف كثيراً عن سلوك الغوغاء الذين كانوا هم أنفسهم يحذرون منهم بالأمس. تراجعت قيمة التثبت، وضعفت هيبة الكلمة المسؤولة، وأصبحت المواقف تتشكل أحياناً تحت ضغط الانفعال اللحظي أو الاصطفاف المسبق أو المصالح الضيقة، لا وفق ما تقتضيه الأمانة والاستقلالية والإنصاف.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الناس حين كانوا يثقون في العلماء والمفكرين والقادة لم يكونوا يثقون في أشخاصهم فحسب، بل كانوا يثقون في منظومة كاملة من القيم يمثلونها؛ قيم الصدق، والتجرد، والتوازن، والقدرة على الارتفاع فوق الأهواء. وحين تهتز صورة هؤلاء، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات التي ينتمون إليها، وإلى القيم التي يفترض أنهم يجسدونها.
ومن هنا يمكن فهم حالة الشك التي أصبحت تحيط بكثير من المؤسسات المحلية والدولية. فالمشكلة ليست دائماً في ضعف القوانين أو نقص الإمكانات، بل في شعور متزايد لدى الناس بأن المعايير لم تعد ثابتة، وأن الأحكام قد تتبدل بتبدل المواقع والمصالح، وأن ما كان يعد بالأمس حقيقة ثابتة قد يصبح اليوم محل تشكيك دون مقدمات مقنعة.
وقد انعكس هذا الاضطراب حتى على الاقتصاد العالمي نفسه. فالأسواق التي يفترض أنها تبنى على الحسابات والمؤشرات والأرقام أصبحت في كثير من الأحيان ترتفع بكلمة، وتهبط بتصريح، وتفقد مليارات الدولارات أو تكسبها في ساعات معدودة بسبب تغريدة أو مقابلة أو إشاعة. وكأن العالم كله يعيش حالة ترقب دائم لا يدري فيها أين تنتهي الحقائق وأين تبدأ الانطباعات.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد اضطراب سياسي أو اقتصادي، بل هو في جوهره أزمة مرجعيات. فحين تضطرب الموازين، ويختلط الخبير بغير الخبير، ويصبح صاحب الصوت الأعلى أقدر على التأثير من صاحب الحجة الأقوى، فإن المجتمع كله يدخل مرحلة من إرباك التوقعات وتكسير القواعد التي استقرت طويلاً.
ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى استعادة فضائل قديمة تبدو بسيطة لكنها أساس كل عمران بشري: الصدق قبل الذكاء، والأمانة قبل الشهرة، والاستقلالية قبل الاصطفاف، والاعتراف بالخطأ قبل المكابرة.
فالثقة لا تبنى بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات الكبيرة، وإنما تبنى حين يطمئن الناس إلى أن الكلمة قيلت لأنها حق، لا لأنها نافعة لقائلها، وأن الموقف اتخذ لأنه صواب، لا لأنه يوافق هوى الجمهور أو رغبة أصحاب النفوذ.
وعندما تستعيد المجتمعات هذه المعاني، تستعيد معها قدرتها على التمييز بين الحقيقة والضجيج، وبين القيادة والتأثير العابر، وبين البناء الحقيقي والمجد الزائف الذي يلمع سريعاً ثم يختفي سريعاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه