الأحد، 7 يونيو 2026

مقتبس حول مركزية إيكاون/الشُّعَّار/المُغَنِّين في مجتمع البيظان

أما طبقة إيكاون/الشُّعَّار/المُغَنِّين"، فمركزهم الاجتماعي عزيز بين مختلف الطبقات، ومقامهم ومقالهم مرغوبان في المدح والإشهار والإمتاع والمؤانسة، ومرهوبان في القدح والتشهير، وقد لفت انتباهي أن نشأتهم -بصفتهم الاحترافية- قد ظهرت في رسالة اللمتوني إلى السيوطي 910هـ، عند وصفه لمختلف أحوال مجتمعه، حين قال: "مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَّا الْغِنَاءَ، وَالْمِزْمَارَ، وَمَدْحَ مَنْ أَعْطَاهُ، وَذَمَّ عَكْسِهِ".
وقد لفت انتباهي أيضا أن السيوطي لم يكد يتجاهل سؤالا في رده على اللمتوني غير هذا، ومهما تكن القيمة التأريخية لهذه الجملة الاعتراضية، فإن فئة "إيكاون"، ربما لقلة عددهم نسبيا وحساسية مهنتهم وفاعلية دورها في التشجيع والتشنيع، وفي الإبداع والإمتاع، فإن عقدها الاجتماعي مع طبقتي "العرب" "المتمغفرين"، و"الزوايا" "المستعربين"، لم يكن يقوم أبدا على مجرد الإكرام والتبجيل العفويين، والولاء الروحي والمصالحي، بل كانت أحيانا تضيف إلى ذلك عقودًا بين الطرفين موثقةً في "التهيدين"، الذي هو منتج رمزي إشهاري سَيَّار، ومصدر معتبر لإنتاج القيم وتوثيقها، حيث يكتب من قيم العرب والمستعربين ما تجاهلته أقلام الزوايا "المتمربطين" عن سبق إصرار وترصد، ففي تهيدينة لـ(ول ابيب بن أيده) من "شعُّار" كنته تصريح واضح ببنود العقد الاجتماعي بينه وبين هذه الجماعة:
جمل العقدة، واشه، والمد
والمسلان، ونخلة لقصـر
وهذه البنود المنظومة بالشعر الحساني الملحمي الأثير، تبدو ترجمة شبه أمينة لمنثور بنود إدوعيش (1775م)، مع سدوم ولد انجرت، حيث ضمن له عثمان ول اعل بابي بن أعمر -إذا تحول إليهم من بلاطات إمارات أولاد امبارك- حمالةً على قومه، تتمثل في: ثنية من كل غنم، وكل فرس أعيت، وكل صيد وحشي خلال الرحيل، ومُدُّ تكانت، وجمل كلِّ مُزَوَّجٍ، ووركِ كل قنص وحشي، والظهر من كل ذبيحة .
وتتم مثل هذه العقود مع "الشعَّار" المؤثرين في إطار التقاطب بين السلطات العليا لهذا المجتمع السائب، في معمعان توزان الرعب بينها، ولذلك نرى أن إبرام إدوعيش ذلك العقد مع سدوم بن انجرتو كان قبل معركة احنيكات بغداد (1778م)، التي انتصرت فيها هذه الإمارة اللمتونية أول مرة على الحلف العربي المغفري بثلاث سنوات ، فهل كان لصوت سدوم (السلاح الفني الرمزي) تأثير لتعديل ميزان القوة لصالح إدوعيش؟
على كل حال، يندرج في هذا الإطار التنافسي المحتدم بين القوى الكبرى في مجتمع السيبة، على استقطاب "إيكاون"، ما صرح به سدوم بن آبّ في مدحه لكنته من انتزاعها إياهم من عرب "المغفر" بالسلاح أو بالسماح، بالحب أو بالحرب، لست أدري؟
المهم أنه يقول مؤسسا ذلك التعاقد الآنف على ولاء روحي ودي عميق، يتقمص أعمق مراحل الولاء النسبي، الأبوة والأمومة:
"كنتَه" گلعون من "مغفر"
من عند ابتدايْ أوَّنَّ
لنْتهايْ التالي لوْخَرْ
احْنَ هاذو ووَايِنَّ
"كنتَه" ما هم مَحلْ أنْظرْ
هومَ گاعَ ابْلدْ مْنزَنَّ
وابْلدْ عِيشتَنَ واصَنَّ
فـ انْهَارَات إِريفِي والحَرْ
هومَ گاعَ ابْلدْ مْنزَنَّ
إسَنّونَ بالنهْيْ ؤ لمرْ
اعْل الشـريعَه والسُّنَّ(ـه)
*
هومه عصبْ امْعَانَ واظْهَرْ
واصْل أنَّ، وابْلد مَسْكَنَّ
وامنينْ المَشْبُوح إغَبّرْ
وانْحُومُو يَتَلَگَّاوْانَّ
وِقَايَ من لهْفات الظّرْ
أنَّ، صابَلنَ لا گنَّ
*
منهمْ تبْر أذهبْنَ لحْمَرْ
ؤمنْهمْ فظّتْنَ وابَنَّ
واگلايد مَرْفِينَ لخْظَرْ
واعْتَم هجْمَات امْحَاگنَّ
ؤمنْهمْ ذاكَ امْن العَد اكْثَرْ
واطباگ (...) وانْخَلنَّ
ؤصَكرْنَ فبَّاتِيگ أنْدَرْ
وازْرَبَانَ واحْنَابَنَّ
بل يعمق انتماءهم لكنته؛ حيث يقلب علاقة الإضافة النسبية بين المسند والمسند إليه، فإذا كان العادي المألوف في دارج كلام القوم، أن ينسب الأقل إلى الأكثر، والفرع إلى الأصل، فيقال مثلا: إيكاون أهل افلان، فإن الشاعر جعل قبيلة كنته هي المسند، وهم المسند إليه، معتبرا أنهم هم الذين يملكونها أكثر مما تملكهم ولاء ومودة ومعاهدة، ولتنفيذ هذه اللعبة الفنية الجميلة بنى قصيدته/تهيدينته، على أنَّ.. أنَّ.. أنَّ... وتلك إيطاء ظاهرة، (فيها "إن")، كما يقولون، لكنها مقصودة فنيا للتعبير عن هذه النسبة المقلوبة، حتى أن القصيدة عنونت بـ"انَّ" إمعانا في الدعوى المبدعة الرائعة.
ص:43-46 من كتاب أدي آدب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه