في الزمن الذي لم تكن فيه "النجوم" تُصنف الفنادق، إنما كانت وحدها النجوم المتناثرة في سماء الصحراء، كانت رحلة الزواج تبدأ من "النية" الصادقة وتمر بمسالك الصبر الطويل. لم يكن الزفاف مجرد ليلة عابرة، بل كان ملحمة إنسانية تُنسج خيوطها على أناة، بعيداً عن صخب السيارات وزيف المظاهر الحديثة.
ما قبل الوصل: انتظارٌ واعتناء
تبدأ القصة من اللحظة التي يضع فيها الشاب قلبه على أعتاب بيتٍ كريم، (الخطبه)فيمضي زمناً وهو يجمع "المهر" بكدّ يمينه، وفي هذه الأثناء، تنعزل العروس في كنف أهلها لخوض غمار "لبلوح"، وهي طقوس العناية والاعتناء لزيادة الوزن والجمال، تهيئةً لها كملكّةٍ مقبلة. في تلك الشهور، كان الصمت هو سيد الموقف، واللقاء محرماً، إلا من رسائل شفهية "مصروكه" وسرية للغاية، ينقلها صديقٌ وفيّ أو صديقة مخلصة، كلماتٌ قليلة تحمل من الشوق ما تعجز عنه مجلدات "الدردشة" اليوم.
ليالي الأفراح "الترواح"
حين ينقضي الأجل، تندلع أفراح الزفاف التي كانت تمتد لثلاث ليالٍ عند البعض و سبع عند البعض، في كرنفال من "اللهول" والرقص والدفوف. وفي كل ليلة، كانت طقوس "الترواح" كأول ليلة تُحيي ليل الصحراء، ليعود الجميع في نهايتها إلى خيامهم، وتعود العروس إلى حضن أمها أو "حاضنتها" في حياءٍ لا يخدشه استعجال.
رحلة الرحيل: دموع الوداع وأمل اللقاء
تأتي الليلة الأخيرة، ليلة الفصل والوصل. يجهز الأصدقاء للعريس راحلته، وفي غبش الفجر أو هدوء السحر، يقتاد زوجته نحو حياةٍ جديدة. هنا تختلط المشاعر في مشهدٍ لا يمحوه الزمن؛ دموع الفرح ببدء مسيرة خالدة، ودموع الحزن المرّ عند الأبوين وهما يريان "فلذة الكبد" تغادر العش الذي أنارته لسنوات. ترحل البنت نحو "المجهول" بالنسبة لهما، متواريةً خلف حجب حيائها، تذرف دموعاً تائهة بين ألم الفراق وأمل اللقاء، تتحاشى الحديث مع رفيق دربها الجديد رحمةً بقلبه، كي لا تكسر في وجهه ابتسامة النصر التي انتظرها طويلاً.
" اعل لكفل": الحديث الذي يولد من الصمت
تركب العروس " "اعل لكفل" (المكان المجهز خلف الرحل)، بينما يأخذ العريس بخطام الجمل، يمشي بهما مسافات طويلة في عمق الصحراء، يقودُ مستقبله بيديه. وحين يغلبه التعب، يُنيخ الجمل ليركب معها، وهنا فقط، تحت سماء الله الواسعة، يبدأ الحديث يتدفق شيئاً فشيئاً، فتبدأ الأرواح في التعارف قبل الأجساد، في جوٍّ من الطهر والبراءة لا يفسده ضجيج.
لماذا انخفض مؤشر السعادة في زمن الوفرة؟
اليوم، ورغم توفر الفنادق الفاخرة، والسيارات الفارهة، وسرعة التواصل، نجد مؤشر السعادة في انخفاض مستمر. والسبب يكمن في غياب تلك القيم التي كانت تُحلي "قليل الأشياء":
قيمة الصبر: كان الأوائل يدركون أن "لذة الوصل" تأتي من "ألم الانتظار"، أما اليوم فقد أصبح كل شيء متاحاً بلمسة زر، ففقدت الأشياء قيمتها المعنوية.
الصدق والعفاف: كانت العلاقات تُبنى على "الكلمة" والميثاق الغليظ، بعيداً عن المظاهر الخداعة التي يغذيها "الاستعراض" في وسائل التواصل الاجتماعي.
بركة القناعة: كان الجمال يكمن في "البساطة"؛ في جملٍ وخيمة وسترٍ يجمعهما، بينما اليوم ضاعت السعادة في "المقارنات" المستمرة مع الآخرين والبحث عن الكمال المادي الزائف.
ترابط الأجيال: كانت الرحلة تباركها دعوات الأبوين الممتزجة بالدموع الصادقة، بينما اليوم طغت الفردية، وأصبح الزفاف "مشروعاً تجارياً" أكثر منه رباطاً روحياً.
لقد كان طعم الحياة "لذيذاً" لأن النفوس كانت ممتلئة بالبراءة والصدق رغم خلو الأيدي، واليوم امتلأت الأيدي بالأشياء، لكن الكثير من القلوب أصابها "الجفاف" من قلة الوفاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
تضمين الرسالة أدناه