في الثالث من مايو من كل عام، يقف العالم عند محطةٍ مضيئة، يستعيد فيها معنى الكلمة حين تكون مسؤولة، وصوت الحقيقة حين يُقاوم الضجيج. إنّه اليوم العالمي لحرية الصحافة؛ اليوم الذي لا يُحتفى فيه بالحبر والورق فحسب، بل تُحتفى فيه القيم التي تُقيم بهما: النزاهة، والجرأة، والالتزام بميزان العدل.
الصحافة ليست مهنةً عابرة، ولا حرفةً تُؤدّى على هامش الأحداث، بل هي ضميرٌ حيّ، يُنقِّب في الوقائع ليُجلّيها، ويُحاور السلطة والمجتمع معًا، لا ليُخاصم هذا أو يُجامل ذاك، بل ليُبقي الحقيقة في موضعها الذي تستحق. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتختلط فيه الأخبار بالآراء، يشتدّ الاحتياج إلى الصحفي الذي يفرز، ويُدقّق، ويُحسن عرض الوقائع دون تهويلٍ أو تهوين.
ومن موريتانيا، حيث تمتدّ الصحراء بوقارها، وتُحرس الذاكرة بالكلمة، يبرز اسمٌ اجتهد أن يكون للخبر وجهه الصادق، وللمعلومة سندها المهني: الشيخ بكاي SSheikh Bekaye
أهنّئه في هذا اليوم، لا بوصفه فردًا فحسب، بل بوصفه نموذجًا لصحفيٍّ اختار أن يُقيم على جسرٍ دقيق بين الدقّة والسرعة، وأن يقدّم من أرضه روايةً تُخاطب العالم بلغةٍ رصينة.
لقد حملت مراسلاته إلى بي بي سي نبض موريتانيا في لحظاتٍ مفصلية: من متابعة الشأن العام وتحولاته، إلى تغطية القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ومن نقل تفاعلات الشارع إلى قراءة سياقاتها، مع التزامٍ واضحٍ بمعايير التحقّق والتوازن.
في تقاريره حضورٌ للميدان، ووعيٌ بالسياق، واقتصادٌ في العبارة، يقرّب الصورة دون أن يُخلّ بها، ويمنح المتلقّي مفاتيح الفهم دون أن يفرض عليه تأويلاً.
وإذا كانت الصحافة تُختبر عند الشدائد، فإنّ قيمها تُقاس بقدرتها على الصمود أمام الإغراءات والضغوط. وهنا تتجلّى أهمية النموذج الذي يُحافظ على استقلاليته، ويُوازن بين حقّ الجمهور في المعرفة وواجبه في الدقّة. فالمعلومة حين تُصان، تُبنى الثقة، وحين تُهان، يتآكل الرصيد المعنوي الذي لا يُعوَّض.
إنّ تهنئتي اليوم للصحفيين عامة، وللشيخ بكاي خاصة، هي في جوهرها تهنئة للقيم التي يحملونها، ودعوةٌ دائمة لأن تظلّ الصحافة فضاءً للصدق، لا ساحةً للضجيج؛ منبرًا للمساءلة، لا أداةً للتزيين؛ جسرًا بين المواطن والحقيقة، لا حجابًا دونها.
كل عامٍ والكلمة مسؤولة، وكل عامٍ والحقيقة أوسع من كل تضييق،
وكل عامٍ وصحافتنا—في موريتانيا وفي العالم—أقرب إلى ضميرها. بوكه باب 03-05-2026م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
تضمين الرسالة أدناه