الجمعة، 8 مايو 2026

تنقيب في مناجم النصوص 03

 

إبراهيم ولد إبراهيم: حين تتوحد الأرض والذاكرة

كلب اغشكوكيت امخـــلِِّ
في حزم كامـــــل دخـــلِ
واكليب اكـــاطن يغفــرلٍِ
ذاك وابعيد من النسخــه
واراع ذوك الكـــــــــلب الٍّ
فوق الكــــلاب بفسخــــه
هو سبت حـــزم لعظيـــم
حزم في مـــــــافــات ارخ
ظلت زبيرت حزم الريـــم
من شوف في منفسخـــه

في هذا النص، يتعامل إبراهيم ولد إبراهيم مع جبال أغشكوكيت وإكاطن كأنها كائنات حية، لا مجرد تضاريس. هو يضع "حزمه" (ذكرياته وشجنه) داخل هذه الجبال، لتصبح هي الحارس الأمين لتاريخه العاطفي. وحين ينفي "النسخة" عن هذه الأمكنة، فإنه يؤكد على ثبات مروءته وصدق وفائه؛ فالمكان الذي شهد لحظات الصفاء لا يمكن أن يبهت أو يمل منه المحب.
أما تلك "الفسخة" (الصلعة البيضاء في رأس الجبل)، فقد تحولت في عين الأديب من مجرد لون رمال إلى نقطة تحول وجدانية. لقد اختصر بكلمة "منفسخة" حالة إنسانية بالغة التعقيد؛ فهي تعني ذوبان الصبر، وانحلال العزيمة أمام سطوة الحنين، وتسليم الزمام للقدر.
كأنه يقول: "أمام هذا الجبل، لم أعد أملك من أمري شيئاً؛ لقد انفسخ كل وقاري وتلاشى صبري في ذكرى الريم".
الربط هنا بين "الكلب" (الجبل) و"القلب" هو جوهر القصيدة. فالأديب يختار أصلب ما في الطبيعة (الجبل) ليودعه أرقّ ما في النفس (الغزل العفيف). هذا المزيج يعكس نبلاً كبيراً؛ فالبكاء على الأطلال هنا ليس مجرد "طلل" مهجور، بل هو إعلان صريح عن الارتباط بالوطن. فالإنسان الذي يرى في جبال بلاده مرايا لحبه وذكرياته، هو إنسان استقر حب الأرض في سويداء قلبه، فصار الوفاء للريم والوفاء للموضع (أغشكوكيت وإكاطن) شيئاً واحداً لا يتجزأ.
إنه نص يقطر صدقاً، ويحول الجغرافيا إلى سيرة ذاتية مكتوبة بالدموع والحنين، ويؤكد أن حب الأرض هو المدخل الأول لحب الإنسان وتقدير الجمال.
بوكه باب ‏08‏/05‏/2026.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه