الاثنين، 11 مايو 2026

تكانت: بين تكامل الجهود ووعي المسؤولية

ليست ولاية تكانت مجرد ولايةٍ عابرة في جغرافيا الوطن، بل هي ذاكرة مجدٍ ممتدة، وأرضٌ حملت عبر تاريخها معاني الصبر والشموخ والعلم والمقاومة.
هي قلعةُ المجد التي حفظت لنفسها هيبتها، وموطنُ رجالٍ ونساءٍ ظلوا، رغم قسوة الظروف، قادرين على صناعة الأمل والانتماء. ولهذا فإن أي حديثٍ عن حاضر هذه الولاية ومستقبلها لا ينبغي أن يكون حديثًا عن مناطق متفرقة، بل عن جسدٍ واحد وروحٍ واحدة ومصيرٍ مشترك.
وفي السنوات الأخيرة ظهرت صفحات ومواقع ومنابر توعوية وإخبارية تستحق الإشادة؛ لأنها حاولت أن تفتح نوافذ للنقاش، وتنقل هموم المجتمع، وتساهم في نشر الوعي ومتابعة قضايا التنمية.
وهذا جهدٌ محمود في أصله، لكنه يحتاج دائمًا إلى قدرٍ أكبر من الوعي بطبيعة التأثير الذي تصنعه الكلمة اليوم.
فالذي يُكتب عن تكانت لم يعد محصورًا داخل حدود الولاية، بل صار يقرؤه ابن الولاية في غربته، ويطالعُه أهل الولايات الأخرى، وربما يصل إلى أبعد من ذلك.
ومن هنا تصبح مسؤولية هذه الصفحات والمؤثرين والكتّاب مسؤولية مضاعفة، لأنهم لا ينقلون خبرًا فحسب، بل يصنعون صورةً كاملة عن مجتمعهم.
ولهذا من الضروري أن تُبذل جهود أكبر في تمحيص الخطاب الإعلامي والتوعوي، حتى تبقى صورة الولاية منسجمة قدر الإمكان، بعيدة عن التشتت الذي قد يظهر أحيانًا عند معالجة حدثٍ واحد بصور متناقضة تمامًا بين صفحة وأخرى. فحين يطغى التحيز أو التشنج، تتضرر المعلومة الأصلية، ويخرج المتلقي الخارجي بصورةٍ مرتبكة عن مجتمعٍ هو في حقيقته أكثر تماسكًا ونبلًا.
إن جهود أهلنا في المجرية - مثلا - تجاه تنمية مدينتهم هي مكسبٌ وفخرٌ لتكانت كلها، كما أن جهود أهل تامورت انعاج، وأهل اكفان، وإنيملان، والقدية، وتكننت، وأودي أمجبور، وتجكجة، ولحويطات، والرشيد، وتيشيت، ولتفتار، واشرم ودار السلام والمشرع وبراكه وآكنيكر وانتاكش ووراب وتنيسر وانوجهنه وانودر وانتتام ولمكيطع وبيلنيار وتنيله ولمريفك وواد الخير والقيروان وفو ...… كلها جهود ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها نجاحاتٍ مشتركة لا انتصاراتٍ محلية ضيقة.
فكل منطقة في هذه الولاية تحمل جزءًا من روحها، وكل تطور فيها ينعكس - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة - على صورة تكانت كلها.
ومن المهم كذلك أن يترسخ في الوعي الجمعي أن مطالب كل منطقة يجب أن تبقى موجهة إلى الدولة باعتبارها الجهة المسؤولة عن التنمية والخدمات، لا أن تتحول إلى مادة حساسية بين مناطق الولاية نفسها. فإذا استفادت مدينة من مشروع، أو نالت منطقة خدمة معينة، فلا ينبغي أن يُفهم ذلك وكأنه انتقاصٌ من غيرها. لأن هذا المنطق يزرع الفرقة، ويحوّل التنمية من حقٍّ جماعي إلى سببٍ للخصومة.
والواقع أن موارد الدولة تبقى - في كثير من الأحيان - محدودة، وقد لا تستطيع تلبية جميع المطالب دفعة واحدة. وهنا يجب أن يكون التنافس في صورته الصحيحة: تنافسًا بين ساسة وممثلي كل منطقة في قدرتهم على الإقناع والمتابعة وجلب المنافع ودرء المفاسد، لا تنافسًا بين المجتمعات نفسها.
فالنجاح أو الإخفاق في إيصال المطالب وتحقيق المكاسب مسؤولية يتحملها الساسة والمنتخبون وأصحاب التأثير، لأنهم هم من اختارهم الناس لتمثيلهم، أما المجتمع فلا ينبغي أن يتحول إلى خصمٍ لأخيه بسبب مشروع هنا أو خدمة هناك.
إن العتب لا ينبغي أن يُوجَّه إلى منطقة استفادت، بل إلى التقصير حيث وُجد، وإلى ضعف الأداء السياسي إن حصل. أما تحويل التنمية إلى معارك جانبية بين أبناء الولاية الواحدة، فذلك يستهلك الطاقات ويضعف اللحمة الاجتماعية، ويجعل الجميع يخسر في النهاية.
ولهذا فإن المهمة الكبرى اليوم تقع على عاتق الصفحات التوعوية، والكتّاب، والمؤثرين، والعقلاء، وكل من يملك كلمةً مسموعة: أن يدفعوا المجتمع نحو التنافس الإيجابي بدل الصراع، وأن يُرسخوا ثقافة التعاون بدل الشكوك، وأن يجعلوا من الاختلاف مساحة إثراء لا مساحة انقسام.
إن ولاية تكانت رفعت رؤوس أبنائها طويلًا، ومنحتهم هويةً وذاكرةً ومكانةً يعتزون بها، ولذلك تستحق عليهم جميعًا أن يُحسنوا الدفاع عن صورتها ووحدتها ومصالحها. فالأوطان الصغيرة أيضًا تتعب من الضجيج، وتحتاج أحيانًا إلى قليلٍ من الحكمة حتى يبقى جمالها واضحًا، وحتى تتحول طاقات أبنائها من الاستنزاف الداخلي إلى البناء الحقيقي.
وحين نصل إلى هذه المرحلة، سنكتشف أن أقوى ما يمكن أن تمتلكه تكانت ليس كثرة الشعارات، بل وعي أبنائها بأنهم - مهما اختلفت قراهم ومدنهم - ينتمون إلى بيتٍ واحد، وأن نهضة أي جزء منه هي في النهاية نهضةٌ للجميع.
بوكه باب الأحد 10 مايو 2026م

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه