الثلاثاء، 12 مايو 2026

المعارضة الموريتانية: من صخب المواجهة إلى ارتباك التموضع


شهدت الساحة السياسية في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة مست بنية المعارضة وأسلوب اشتغالها وحضورها الجماهيري، حتى بات المتابع يلحظ بوضوح حجم الفارق بين معارضة الأمس ومعارضة اليوم.
فالمعارضة التي كانت في مراحل سابقة رقماً صعباً في المعادلة السياسية، وصوتاً مرتفعاً في الشارع، تعيش اليوم حالة من الخفوت والارتباك والتشظي، جعلت تأثيرها أضعف، ورسالتها أقل وضوحاً، وحضورها الجماهيري أكثر هشاشة.
في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز كانت الحياة السياسية تقوم إلى حد كبير على حالة استقطاب حاد؛ إذ لم تكن هناك منطقة رمادية واسعة بين الموالاة والمعارضة.
كان الاصطفاف واضحاً، وكانت الأحزاب المعارضة تجد نفسها مضطرة إلى إثبات وجودها بصورة مستقلة ومباشرة من خلال المواجهة السياسية اليومية مع النظام. ولهذا كانت كل جهة سياسية تحاول أن تصنع حضورها بنفسها: تنظّم المهرجانات، وتحشد الأنصار، وتقود الاحتجاجات، وتواجه السلطة في الملفات الكبرى والصغرى دون الاتكاء الدائم على غيرها.
وقد منح ذلك الواقع المعارضة حينها قدراً كبيراً من الحيوية، حتى وإن شابها التنازع أحياناً.
كان الشارع يعرف صوتها، وكانت قدرتها على التعبئة واضحة، وكانت المظاهرات والبيانات والتنديدات جزءاً ثابتاً من المشهد السياسي، لأن كل حزب كان يشعر أن بقاءه السياسي مرتبط بقدرته على الحضور والمواجهة والتأثير.
أما اليوم، فقد تبدّل المشهد بصورة لافتة. خبتت الأصوات، ومالت بعض القوى المعارضة إلى التهدئة أو المهادنة، بينما دخلت أخرى في حالات تفكك أو إنهاك تنظيمي وسياسي.
كما ظهرت قوى وشخصيات جديدة تحاول الاستفادة من الفراغ القائم لإثبات حضورها، في حين تسعى وجوه قديمة إلى إعادة تموضعها من تحت جناح النظام أو بالقرب منه، بعد أن كانت في واجهة الخطاب المعارض.
هذه التحولات أوجدت حالة سياسية معقدة؛ فالمعارضة الحالية تبدو في كثير من الأحيان واقعة بين ضغطين متناقضين:
ضغط القرب من النظام وما يخلقه من حرج سياسي، وضغط قواعدها وأنصارها الذين لا يريدون معارضة هجينة، لا هي معارضة كاملة الوضوح، ولا هي موالاة صريحة.
ولهذا أصبح واضحاً أن كثيراً من الأحزاب المعارضة لم تعد تملك الجرأة أو القدرة على خوض معارك ميدانية منفردة كما في السابق. تراجعت المهرجانات، وقلّ الزخم الجماهيري، وضعفت لغة التصعيد، لأن حالة الإنهاك السياسي والتنظيمي باتت أكثر حضوراً من روح المواجهة.
ومن هنا يمكن فهم لجوء المعارضة في الفترة الأخيرة إلى محاولة الحشد تحت عنوان عام هو “المعارضة الموحدة”.
غير أن هذا الشعار، رغم بريقه الظاهري، لا يعكس دائماً حقيقة الواقع السياسي القائم. فالوحدة الحقيقية لا تقوم على مجرد جمع الأحزاب داخل مهرجان أو منصة واحدة، بل تقوم على اندماج الرؤية والهدف والخطاب والبرنامج السياسي. وهذا ما يبدو غائباً إلى حد بعيد.
فالذي يحدث عملياً أن كل حزب ينشغل داخل ذلك الحشد الجماعي بمحاولة إظهار نفسه وتسويق خطابه وحماية مساحته الخاصة، وكأن الجميع يتحركون في إطار واحد شكلاً، لكن بعقول واتجاهات وحسابات مختلفة مضموناً. وبهذا يتحول الحشد أحياناً إلى مجرد تجاور سياسي لا إلى وحدة سياسية حقيقية.
كما أن خوف بعض الأحزاب من الظهور منفردة بحضور جماهيري ضعيف أمام الحشود الكبيرة التي يستطيع النظام تعبئتها في المناسبات المختلفة، دفعها أكثر نحو الاحتماء بفكرة “المعارضة الجامعة”، حتى وإن كانت تلك الوحدة هشة وغير مكتملة البناء.
والمحصلة أن الرسالة السياسية نفسها أصبحت تعاني من الضبابية. فحين تغيب الحدود الواضحة بين المهادنة والمعارضة، وحين لا يشعر الشارع بوجود خطاب موحد أو مشروع متماسك، تتراجع الثقة تدريجياً، ويفقد العمل المعارض جزءاً كبيراً من تأثيره المعنوي والجماهيري.
إن الأزمة التي تعيشها المعارضة اليوم ليست أزمة عدد أو شعارات فقط، بل هي - في جوهرها - أزمة تعريف للدور والهوية والغاية. فالمعارضة لا تستعيد حضورها بكثرة البيانات، ولا بمجرد الحشود المشتركة، وإنما تستعيده حين تكون قادرة على تقديم نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً واضحاً، يمتلك الجرأة على الموقف، والقدرة على التنظيم، والانسجام الداخلي، والثقة في الشارع.
أما إذا ظل الواقع قائماً على تحالفات مرتبكة، وخطابات مترددة، ومحاولات دائمة للجمع بين القرب من السلطة والاحتفاظ بلقب المعارضة، فإن حالة التآكل ستستمر، وسيبقى المشهد السياسي مفتوحاً أمام مزيد من التفكك وإعادة التشكل، في انتظار لحظة تعيد فرز الأوراق من جديد.
بوكه باب 11 - 05 - 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه