وحين أخذ الزوج بخطام راحلته قبيل الفجر، وخطا أولى خطواته نحو حلمٍ انتظره طويلًا، لم يكن يقود راحلة فقط، بل كان يقود عمرًا جديدًا بأكمله. كانت الرمال ما تزال تحتفظ ببقايا الليل، والنجوم تنسحب ببطءٍ كأنها تفسح الطريق لذلك الحلم البدوي النبيل: رجلٌ يمضي بزوجته إلى عالمه الجديد، وامرأةٌ تترك وراءها طفولة أهلها لتدخل بهدوءٍ مملكةً أخرى اسمها “الأسرة”.
وحين يصلان مضارب أهل الزوج، لا يكون الاستقبال صاخبًا كما في المدن، بل مغمورًا بالحياء والرمزية. تستقبلهما إحدى أخوات الزوج، بينما يختفي الابن نفسه، أو يذهب إلى خيمة أسرة أخرى، حياءً من أبيه ومن رهبة اللحظة.
فالأب هنا لا يستقبل زوجة ابنه كغريبة، بل كواحدةٍ من بناته… بل ربما أقرب منزلةً منهن؛ لأنها ستكون في قابل الأيام أكثر الناس عناية به، وأشدهم التصاقًا بحاجاته، وأي تقصيرٍ منها تجاهه سيبقى وصمةً تتأذى بها أسرتها كلها.
في تلك الليلة الأولى، يكون قد أعدّ لهما مكانًا صغيرًا للمبيت، عالمًا خفيًا خارج صخب الحيّ، يسمّى “البنية”. والبنية ليست خيمةً كاملة، بل قماش أبيض يلتفّ حول أغصانٍ جرى تطويعها مع الزمن حتى انحنت أطرافها كالأقواس، وتُعرف تلك الأغصان بـ “إنايلن”، ومفردها “أنال”. داخل ذلك البياض الصغير يقبع سريرٌ تقليدي يسمّى في بعض الجهات “الخبطة”، بسيط الشكل، لكنه يومها كان عرشًا حقيقيًا لعاشقين خرجا للتو من عالم التقاليد الثقيلة إلى مساحةٍ ضيقة من الحرية.
غير أن الوصول إلى “البنية” لم يكن أمرًا هيّنًا. فالزوجة لا يمكن أن تُرى وهي تتجه إليها، خصوصًا من طرف أبي الزوج أو أمه، التي تُعرف في الحسانية بـ “الحميّة” والحمية: أعتقد أنها أتت من الحماية وكأن الثقافة العامة تخبرنا أن أم الزوج وكذلك اب الزوج يكونان ملاذا وحماية لزوجة ابنهما من كل المضايقات المحتملة سواء داخل الأسرة وخارجها بل وحتى من أبنهما الذي هو زوجها.
لذلك تنتظر حتى ينام الجميع، ثم تخرج برفقة إحدى أخوات الزوج، لا تسلكان الطريق المؤدي إلى البنية مباشرة، بل تنحرفان نحو جهة أخرى، خوفًا من أن يرصدهما أحد، ثم تعودان من مسارٍ مختلف حتى تصلا إلى ذلك العالم الأبيض الصغير. هناك تبقى الزوجة، بينما تعود الأخت وحدها، وكأن شيئًا لم يكن.
وقبل أن يبزغ الفجر، يجب أن تعود الزوجة خلسةً إلى خيمة أهل زوجها، وتستلقي في مكانها متظاهرةً أنها لم تغادره قط. كان الحب يومها يُعاش وكأنه سرّ مقدّس، لا يحقّ للعلن أن يراه كاملًا.
أما الحديث داخل “البنية”، فكان أشبه بعالمٍ مسروق… لكنه سرقةٌ مباحة.
تبدأ الزوجة في إعداد الشاي، غير أنها تحاول إسكات الكؤوس وهي تصطدم ببعضها، وتكتم صوت “صاك السكر” حين تكسره، كما تحاول إخفاء وهج “الفرنة” حتى لا يفضحه الضوء. والزوج يتحدث بصوتٍ خافت، نصفه كلام ونصفه رجفة قلب.
وفي الخارج، كان الليل البدوي يعرف طقوسه الأخرى؛ إذ يتسلل بعض الشباب في ما يُعرف بـ “لبروك”، يتفقون على التجسس على “البنية”، يلتقطون من خلف الظلام بعض الهمسات أو الضحكات أو تفاصيل تلك الليلة الأولى. وكان ذلك يجعل الزوجين، وخاصة الزوجة، أكثر حذرًا؛ فهي تشعر أنها تعيش وسط مجتمع لا يفتّش إلا عن مثالبها، ولا يغفر لها زلّةً صغيرة.
ثم تمضي الأشهر، وتبدأ ملامح الحمل تظهر على الزوجة، فيصبح لزامًا عليها أن تعود إلى أهلها، لأن وضعها عند غير أهلها في تلك المرحلة كان يُعدّ حرجًا لا يُستحب. تعود إلى خيمتها الأولى، لكنّها لا تعود كما ذهبت؛ تعود وفي داخلها حياةٌ جديدة.
ويستقبلها أهلها بفرحٍ يشبه نشوة الانتصار. ليس لأنها رجعت فقط، بل لأنها تحمل لهم امتدادًا جديدًا، طفلًا سيملأ بعض الفراغ الذي تركته هي يوم غادرتهم عروسًا. وكأن الأمومة يومها لم تكن حدثًا شخصيًا، بل عيدًا قبليًا صغيرًا تستعيد به الأسرة شيئًا من ابنتها التي أخذها الزواج.
وبعد أشهر من الوضع، يحين موعد العودة إلى أهل الزوج، فتبدأ احتفالاتٌ جديدة تشبه بداية الزواج.
لكن هذه المرة تصطفّ صديقاتها لمنعها من الرحيل، بينما يتدخل أصدقاؤه لأخذها. تمتزج الضحكات بالعراك الخفيف، وأحيانًا تقع إصابات حقيقية، وأحيانًا تُدفع فدية معتبرة كي يسمحوا له بالذهاب بها. كانت تلك الطقوس مزيجًا غريبًا من اللعب والغيرة والمحبة الجماعية.
وعندما تعود أخيرًا إلى مضارب زوجها، لا تعود إلى “البنية”، فقد انتهى زمن الخيمة البيضاء الصغيرة. هذه المرة تكون هناك خيمة خاصة بهما، جرى إعدادها قبل عودتها، وتسمّى “أفلان أعزل”؛ أي إنه استقلّ عن خيمة والديه، وإن ظل قريبًا منهما.
وهنا فقط تبدأ الحياة بمعناها الكامل.
لا كحلمٍ عابر على ظهر جمل، ولا كهمساتٍ مرتجفة داخل “بنية”، بل كأسرةٍ صغيرة تواجه الحياة معًا، بخبزها، وأطفالها، وأفراحها البسيطة، وأتراحها الخفية.
وهكذا كانت دورة حياة الأسرة القديمة…
بطيئة، متعبة أحيانًا، لكنها ممتلئة بالمعنى، وبالحياء، وبالعلاقات التي كانت تُنسج بخيوط القلب لا بضجيج الحياة الحديثة.
بوكه باب 12 - 05 - 2026م

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
تضمين الرسالة أدناه