الخميس، 14 مايو 2026

تنقيب في مناجم النصوص 4

النص: 4
نكرَ تشباشي يالمجيـــــــــــدْ
راح اخلاگي من فگد اجديدْ
شوفْ ابرگ يخفَك تل ابعيد
بتْ ألا نرعاه ابلبصــــــــارْ
وانميزن فوگ آش من ابليدْ
وانَ گاعدلُ فوگ ازبـــــارْ
الوگْحَ من گد أم اغريــــــد
لين اغرشت انُّ فوگ اديارْ
العين ؤلگصر وانواشيــــدْ
وَگلّابْ ؤُ تمْرَ وانفــــــــارْ
وإدور افذاك من افريعات
لمسايل يتگرن لخظــــــارْ
مزال. ايگص ألا وطيات
اتزرگيگ المَ من لحجــارْ.
حين يقرأ المرء هذا النص لـ ولد الكصري يشعر أنه لا يقف أمام أديب يصف برقًا عابرًا، وإنما أمام رجلٍ سافرت روحه كلّها نحو الشرق(تل)، تاركا جسده فوق صخرةٍ عالية (أزبار) في تكانت، ومضى قلبه يركض خلف ومضة بعيدة في السماء.
هذا النص لا يُفهم جيدًا إلا إذا تذكّرنا أن قائله رجل من أبناء ولاية تكانت، من أولئك الذين يعرفون الأرض كما يعرف الإنسان كفّه، ويحفظون أسماء الشعاب والمرتفعات والقيعان كما تُحفَظ أسماء الأبناء. وصاحب الطلعة الشهيرة:
“حدّ أصيل افتكانت شام”
لا يمكن أن يكون تعلّقه بالأمكنة تعلّق عابر سبيل، بل تعلّق رجل يرى في تكانت وطن الروح، لا مجرد مسقط رأس.
منذ البداية يبدو الحنين في النص كائنًا باغت الشاعر على حين غفلة:
نكرَ تشباشي يالمجيدْ
وكأن الشوق كان جمرةً مطمورة تحت الرماد، ثم هبّت عليها نسمة برق فعادت تتّقد دفعةً واحدة. كلمة “نكر” وحدها تكفي لتفتح مشهدًا كاملًا: شيء ظُنّ أنه مات، فإذا به يعود حيًا أكثر مما كان. وهذا بالضبط ما فعله البرق بقلب الأديب؛ أعاد إليه أمكنةً وأزمنةً وأصواتًا كانت نائمة في داخله.
ولأن أهل الصحراء لا يفصلون بين المطر والحياة، صار البرق عنده أشبه ببشارة سماوية. لذلك ظل طوال الليل يحدّق فيه ويرقبه.
بتْ ألا نرعاه ابلبصارْ
يا لها من صورة: رجل يسهر مع ومضة بعيدة كما يسهر العاشق مع نافذة هناك...
لا يريد أن تضيع منه لحظة الضوء، لأن تلك اللمعة الصغيرة قد تعني أن أرضه هناك ستتنفس بعد اختناق طويل.
ثم يبدأ في تخمين موضع المطر، فيقف فوق المرتفع، يزن الجهات، ويتتبع خطّ البرق في السماء. وهذه من أصدق صور البدوي الحقيقي؛ فالرجل الذي عاش الصحراء لا يرى المطر حدثًا جماليًا فقط، بل يقرأ فيه مصير المراعي، وحياة الماشية، وطمأنينة الناس.
لكن الأجمل من كل ذلك هو لحظة ذكر الأمكنة:
العين ؤلگصر وانواشيدْ
وَگلّابْ ؤُ تمْرَ وانفارْ
هنا يتحول النص إلى نشيد حنين خالص.
إنه لا يعدد مواضع جغرافية، بل يمرّ على قلبه موضعًا موضعًا. كل اسم في هذه القطعة يحمل وراءه ظل خيمة، ورائحة مطر، وآثار قوم رحلوا، وليلًا قديمًا جلس فيه الأديب قرب نارٍ تتراقص في الريح.
وحين يتخيل المياه وهي تنساب عبر “أفريعات” والمسالك الصغيرة بين المرتفعات، تشعر أن الأرض كلها بدأت تتحرك:
لمسايل يتگرن لخظارْ
الخضرة هنا ليست لونًا… إنها فرح الأرض.
وكأن اليابسة التي أحرقتها الشمس شهورًا طويلة بدأت أخيرًا تستعيد عافيتها، وتمدّ يدها نحو الماء في لهفة.
أما الصورة الأخيرة:
اتزرگيگ المَ من لحجارْ
ففيها عبقرية البدوي الذي يرى الطبيعة حيّة بالكامل. الماء عنده ليس سائلًا صامتًا، بل كائنا يشق طريقه متعبًا بين الحجارة، والخضرة تركض خلفه أينما مرّ، كأن الحياة كلها كانت تنتظره.
ولعل سرّ جمال النص أنه لا يتحدث عن المطر وحده، بل عن الإنسان حين يعود إليه وطنه فجأة في ومضة برق. فالبرق هنا لم يُضئ السماء فقط، لكنه أضاء ذاكرة رجلٍ تكدّست داخلها تكانت بكل شعابها وقيعانها وأسمائها القديمة، فعاد قلبه يخفق كما لو أنه رأى أهله بعد غياب طويل.
بوكه باب ‏14‏/05‏/2026م


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه