الأحد، 31 مايو 2026

نزهة الراوي وبغية الحاوي - الشيخ سيدا المختار الكنتي

من جهود العلَّامة شيخ الشيوخ الشيخ سيدي المختار الكنتي في علم العقيدة والتوحيد
يُعَدُّ الشيخ سيدي المختار الكنتي رحمه الله تعالى من كبار أئمة العقيدة والتوحيد في بلاد شنقيط والصحراء الغربية، وقد جمع بين التحقيق العلمي والتربية الإيمانية والذوق السلوكي السليم، فخلَّف تراثًا نفيسًا في تقرير عقائد أهل السنة والجماعة، والدعوة إلى معرفة الله تعالى على منهج السلف الصالح، مع التنزيه والإجلال والتعظيم لجناب الحق سبحانه وتعالى.
ومن أبرز جهوده في هذا الفن:
1- كتاب «المنَّة في اعتقاد أهل السنة»
وهو كتاب كبير جامع، تناول فيه مسائل الاعتقاد وأصول التوحيد على منهج أهل السنة والجماعة، بأسلوب العالم المحقق والعارف المدقق.
2- جانب التوحيد من كتاب «نزهة الراوي وبغية الحاوي»
ومما جاء فيه:
«فهو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه الواصفون، ولذلك لم يتغالَ السلف في صفاته تعالى، بل وكلوا ذلك إليه، فقال رأس الصديقين: "لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، لأن علم التوحيد كالمسك الأذفر ينفعك بذكائه، فإذا استنشقته كان فيه حتفك، أو كالشمس إذا اكتفيت بنورها الفائض على صفحات الوجود انتفعت بها، وإن رمت تحقيق ذاتها كلَّ دون تحقيقها البصر وأصابه العشى والضرر».
وقال أيضًا:
«والإيمان الذي هو صفة الموحِّد موهبة ربانية ومنحة إلهية، لا تُدرك بالكدِّ ولا تُدفع بالردِّ، فربَّ مبرهن صار برهانه وبالًا عليه، ومحتجٍّ صارت حجته بلاءً لديه. فليسأل العبد ربه سؤال الغريق أن يمدَّه بالإيمان والتحقيق، ويسدده بنفحات الصديقية والتصديق، حتى يخرج من ظلمات الجهل والتعويق».
قال تعالى:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
وقال سبحانه:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
3- جانب التوحيد من كتاب «نِضار الذهب في كل فن منتخب»
افتتحه بقوله:
«الحمد لله الذي أحيا الملَّة بعد الدثور، وبعث من شاء بأرباب الصدور، مجددًا لما اندرس بتعاقب العصور من أصول دين الحق الحميد الشكور، وتفسير كتابه المحكم المسطور، ونشر الآثار الواردة عن النبي المؤيد المنصور، ومشهور ما وصل بالإسناد المنقح من الخبر المأثور، وشرح طرق السلف الصالح المحفوظة بالهدى والنور، والصلاة والسلام دوام الدهور على الفرد العلم المشهور الذي أسفر فجره الصادق فمحا ظلمات أهل الزيغ والفجور».
ثم قال:
«والله أسأل أن يجعله خالصًا عن السمعة والرياء، خاليًا قانصًا، وأن ينفع به قارئه وسامعه والساعي في تحصيله دوام الدهور، وأن يضاعف لنا من جلائل الأجور، ويعصمه مما يصمه من الخطأ والزور، إنه هو البر الغفور، حتى يكون حجة أنجو بها، وعينًا صافية أتلذذ بشربها، ووسيلة موصلة أتقرب بها، إنه هو القريب المجيب».
ثم قال في تقرير عقيدة التوحيد:
«اعلم، أرشدني الله وإياك، أن توحيد الله بحر طافح لا ساحل له سوى العجز والتنزيه الخاليين من التخمين والتمويه، إذ هو الواسع الذي لا يحاط به.
فهو سبحانه المبدئ المعيد، الفعَّال لما يريد، لا رادَّ لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد من معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمحبته وإرادته.
ولو اجتمع الإنس والجن على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عنها.
مريدٌ في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها كما أرادها في أزله من غير تقديم ولا تأخير.
دبَّر الأمور لا بترتيب أفكار ولا تربص، لذلك لم يشغله شيء عن شيء.
خلق السماوات والأرض في ستة أيام مراعاة لحكمة التدبير، ولو شاء خلقهن في لحظة بالتقدير».
وقال رحمه الله في صفة الحياة:
«الحيُّ حياةً لا توصف بالحركة ولا بالسكون، وهي صفة يصح لمن قامت به أن يتصف بجميع صفات الكمال ويتخلى عن جميع النقص والمحال».
وقال في بيان القِدَم والقدرة والإرادة:
«فلا بداية لوجود ذاته، القادر على إيجاد كل مفقود وإعدام كل موجود إلا ذات الواحد المعبود، المخصص بإرادته، فمقرَّب بها ومطرود، ومنعَّم ومكدود.
قادر قبل وجود الكائنات، قدرته تعالى بعد وجود المتعلقات، مريد قبل وجود الكائنات».
وقال في التنزيه:
«ليس بجسم مصور، ولا جوهر مقدر، ولا يماثل الأجسام في التقدير ولا قبولها الانقسام، ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، وليس بعرض ولا تقوم به الأعراض، بل لا يماثل موجودًا ولا يماثله موجود، وليس كمثله شيء، لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه العلويات ولا السفليات.
مستوٍ على العرش على الوجه الذي قال، وبالمعنى الذي أراد، استواءً منزَّهًا عن المماسة والاستقرار والحلول والانتقال.
كان قبل أن يخلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان.
لا تعتريه العوارض من التغير والانتقال، بل لا يزال في نعوت الجلال منزَّهًا عن الزوال، وفي صفات الكمال».
ثم يواصل رحمه الله تقرير أصول الاعتقاد وبيان صفات الله تعالى وتنزيهه بأسلوب رفيع، يجمع بين قوة البرهان، وجزالة العبارة، ونور الإيمان، مما يدل على رسوخ قدمه في علم التوحيد، وسعة اطلاعه على مذاهب أهل السنة والجماعة، ومعرفته بالله تعالى وأسمائه وصفاته.
وهذه النقول المشرقة من آثار الشيخ سيدي المختار الكنتي رحمه الله تكشف عن مكانته العلمية الرفيعة في علم العقيدة والتوحيد، وتبرز منهجه القائم على تعظيم النصوص الشرعية، وسلوك سبيل السلف الصالح، والجمع بين التحقيق العلمي والتزكية الإيمانية، فرحمه الله رحمة واسعة، ونفع المسلمين بعلومه وآثاره، وأبقى بركة مدرسته العلمية والتربوية في الأمة.
الأمين العام لزاوية الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي
الشيخ عابدين سيدعمر

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه