الأحد، 31 مايو 2026

بين التحذير والترويج: متى يتحول نشر المنكر إلى إشاعة له؟

أصبح من المألوف أن يستيقظ الناس كل يوم على مقطع جديد أو منشور صادم يتناقله الآلاف بحجة التنبيه والتحذير وكشف الخلل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كل من نشر منكراً بقصد التحذير منه يكون قد خدم المجتمع فعلاً؟ أم أن بعض أشكال التحذير تتحول – من حيث لا يشعر أصحابها – إلى وسيلة لنشر المنكر وتوسيعه؟
إن الشرع الحكيم لم يكتف بتحريم الفاحشة نفسها، بل شدد كذلك على خطر إشاعتها بين الناس، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فالعبرة ليست دائماً بالنية المعلنة، وإنما كذلك بالأثر الناتج.
ومن المؤسف أن بعض الناس إذا رأى مقطعاً ساقطاً أو صورة فاضحة أو منشوراً هابطاً سارع إلى إعادة نشره على عشرات المجموعات والصفحات، ثم ختم ذلك بكلمة: "للأسف"، أو "انظروا إلى ما وصلنا إليه". لكنه في الواقع يكون قد منح ذلك المحتوى حياة جديدة وجمهوراً أكبر وانتشاراً أوسع مما كان يحلم به صاحبه الأصلي.
والأخطر من ذلك أن كثيراً من المتلقين لا يتذكرون تعليق الناشر بقدر ما يتذكرون المشهد نفسه. فالصورة تبقى في الذهن، والمقطع يترسخ في الذاكرة، بينما تضيع كلمات الاستنكار بعد دقائق. وهكذا يتحول التحذير أحياناً إلى دعاية مجانية للمنكر.
وقد أدرك علماؤنا هذا المعنى منذ زمن بعيد، فكانوا يفرقون بين بيان الخطأ وبين نشر تفاصيله. وكانوا يحذرون من أن يصبح علاج المرض سبباً في انتشاره. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يُعاد تداوله.
إن المجتمع لا يحتاج إلى إعادة عرض المنكرات بقدر حاجته إلى ترسيخ البدائل الصالحة. فالذي يريد التحذير من مقطع مسيء يستطيع وصفه دون نشره، والذي يريد التنبيه إلى سلوك منحرف يمكنه نقده دون إعادة إنتاجه أمام الناس. فالمقصود هو حماية المجتمع لا زيادة جرعته من المشاهد المؤذية.
ومن الحلول العملية في هذا الباب:
الامتناع عن إعادة نشر المقاطع والمنشورات المخالفة للشرع أو الذوق العام مهما كان الدافع.
الاكتفاء بوصف الخطأ وبيان خطره دون إرفاق المادة نفسها.
توجيه البلاغات إلى الجهات المختصة بدلاً من تحويل المحتوى إلى مادة جماهيرية.
تعزيز المحتوى الإيجابي والنافع حتى لا تبقى الساحة محتكرة للمسيئين.
نشر الوعي بأن كثرة المشاهدات والمشاركات هي الوقود الحقيقي الذي تعيش عليه هذه المواد.
إن مقاومة المنكر لا تكون دائماً بإعادة عرضه، بل قد تكون أحياناً في حرمانه من الانتشار. فليس كل من تداول الفاحشة محارباً لها، ولا كل من أعاد نشر الإساءة منكراً لها. وقد يكون من أنفع صور الإنكار أن تُدفن هذه المواد في موضعها، وألا تُمنح فرصة جديدة للوصول إلى بيوت الناس وعقولهم وأبنائهم.
فالمجتمع الذي يحسن مواجهة الخطأ دون أن يحوله إلى ظاهرة متداولة، هو المجتمع الأقدر على حماية قيمه وصيانة ذوقه العام وأخلاقه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تضمين الرسالة أدناه