ليس كلُّ من أمسك القلم صحفياً، ولا كلُّ من اعتلى المنبر خطيباً، ولا كلُّ من ظهر أمام الناس ممثلاً يحمل رسالة الفن الحقيقية. فهناك من يكتب ليملأ الفراغ، وهناك من يتحدث ليُسمَع فقط، وهناك من يمثل ليحصد التصفيق العابر، لكنّ الكنتاوي المتكنتي بون ولدأميده اختار طريقاً آخر… طريقاً لا تسلكه إلا الأرواح الكبيرة التي تؤمن بأن للكلمة رسالة، وللفن شرفاً، وللإبداع مسؤولية.
هذا الفتى حين يكتب، لا يجرّ الحروف جراً، بل تنطق الأقلام صدقاً بين أنامله، كأن الكلمات تعرف صاحبها فتأنس به وتطمئن إليه. يكتب بعقل الصحفي الواعي، وبقلب الإنسان الذي يرى في الحرف أمانة لا وسيلة ارتزاق، ولذلك تأتي عباراته حيّة نابضة، لا تشبه الضجيج العابر الذي يملأ الساحات ثم يتلاشى.
وحين يتحدث، لا يكون حديثه استعراضاً للصوت ولا تزاحماً على الأضواء، بل خطاب رجلٍ يعرف قيمة الكلمة ومقامها، حتى ليهاب بعض الخطباء المنابر بعده، لأن الحضور الحقيقي لا يصنعه ارتفاع الصوت، بل تصنعه قوة المعنى وصدق الرسالة.
أما في التمثيل، فقد اختار أن يكون ممثلاً مجيداً لا مهرجاً للفت الانتباه، وأن يحمل رسالته بجدية دون تشويش أو ابتذال. أدرك مبكراً أن الفن ليس سلعة رخيصة تُباع على أبواب المصالح الخاصة، ولذلك حفظ كرامته من السقوط في مستنقع الارتهان، ذلك المستنقع الذي غرق فيه كثيرون حين باعوا أصواتهم وأدوارهم مقابل القرب من أصحاب النفوذ أو مطاردة الشهرة الزائفة.
لقد اختار بون ولد أميده أن يترك بينه وبين المسؤولين مسافة تحفظ استقلاله، لا تكبراً ولا تعالياً، بل خوفاً على رسالته النبيلة من القيود الناعمة التي تُلبس المبدع ثوب المديح القسري حتى يفقد حريته شيئاً فشيئاً. كان يعلم أن الفنان الحقيقي لا يمكن أن يكون تابعاً، وأن الكلمة حين تُؤجَّر تفقد روحها.
تحمّل وخز أشواك الطريق ليمهدها لغيره، وسار في دربٍ شاقٍّ يعرف أن نهايته ليست التصفيق المؤقت، بل المجد الحقيقي الذي لا تمنحه الحملات المصطنعة ولا الأسماء اللامعة على الشاشات، وإنما تصنعه المواقف الصلبة والصدق النادر والثبات على المبدأ.
وفي زمنٍ صار فيه الوصول إلى الشهرة المزيفة أسهل من الوصول إلى الحقيقة، ظل هذا الفتى مؤمناً بأن القيمة لا تُقاس بعدد الأضواء المسلطة على الوجه، بل بمقدار النور الذي يتركه الإنسان في أرواح الناس.
سيظل بون ولد أميده واحداً - إن لم يكن الوحيد - من أولئك الذين إذا كتبوا صدّقتهم الحروف، وإذا تحدثوا أنصتت المعاني، وإذا مرّوا في طريق الفن تركوا خلفهم أثراً لا يمحوه الزمن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
تضمين الرسالة أدناه